بقلم: الباز عبدالإله
لم يتعامل جزء من الإعلام الإسرائيلي مع تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية باعتباره مجرد حدث سياسي تاريخي يضع امرأة للمرة الأولى على رأس الجهاز التنفيذي، بل اتجه منذ الساعات الأولى إلى استحضار محطات من مسارها بمدينة مراكش وعلاقتها بالطائفة اليهودية المحلية، وصولاً إلى زيارة سابقة لها إلى كنيس يهودي خلال يوم الغفران.
موقع «Ynet» الإسرائيلي اختار في تغطيته للتعيين عنواناً لافتاً: «رئيسة الحكومة الجديدة للمغرب زارت كنيساً في يوم الغفران»، وأرفقه بعبارة بين علامتي اقتباس مفادها أنها «لن تتسامح مع الإسلاميين».
لكن العبارة الأخيرة ليست تصريحاً لفاطمة الزهراء المنصوري، ولم تصدر عنها في سياق إعلان موقف من حزب العدالة والتنمية أو من التيارات الإسلامية، وإنما وردت على لسان جاكي قدوش، رئيس الطائفة اليهودية في منطقة مراكش، خلال حديثه للموقع الإسرائيلي.
قدوش قدم لـ«Ynet» رواية شخصية عن معرفته القديمة بالمنصوري وبعائلتها، قائلاً إنها «نشأت معنا»، ومتحدثاً عن والدها عبد الرحمن المنصوري، قبل أن يشير إلى أنه كان يصطحب وفوداً إلى منزلها خلال فترة توليها رئاسة جماعة مراكش، قائلاً إنهم كانوا بمثابة «أهل البيت» لديها.
واستحضر المسؤول عن الطائفة اليهودية بمراكش أيضاً زيارة قامت بها المنصوري، قبل سنوات، إلى الكنيس خلال يوم الغفران اليهودي «Yom Kippur»، موضحاً أنها وقفت في جناح النساء، وأنها طلبت منه آنذاك ألا ينسى أن يباركها.
لكن حديث قدوش لم يتوقف عند هذه العلاقة الاجتماعية.
فبعد حديثه عن معرفته بالمنصوري وعائلتها، انتقل إلى تقديم تقديره الشخصي للطريقة التي قد تؤدي بها مهمتها الجديدة، قائلاً إنه يعتقد أنها ستقوم «بعمل جدي» وستؤدي المهمة كما ينبغي، قبل أن يضيف أنها، بحسب توقعه، «لن تتسامح مع شؤون الإسلاميين» وأنها «ستسير في طريق الملك».
وهنا تحديداً تظهر حساسية الزاوية التي اختار «Ynet» إبرازها.
فالحديث لا يتعلق بموقف رسمي أعلنته رئيسة الحكومة الجديدة تجاه الإسلاميين، وإنما بتقدير شخصي صادر عن رئيس الطائفة اليهودية في منطقة مراكش. ومع ذلك، اختار الموقع الإسرائيلي وضع هذا التقدير في واجهة عنوانه، إلى جانب استحضار زيارة المنصوري السابقة إلى الكنيس.
ولم ينحصر الاهتمام في «Ynet».
قناة «i24NEWS» الإسرائيلية خصصت بدورها، في تغطيتها لتعيين المنصوري، فقرة كاملة تحت عنوان «علاقة خاصة بمراكش والجالية اليهودية»، وأعادت نقل حديث جاكي قدوش عن معرفته الشخصية بها وبعائلتها، وعن الوفود التي كان يصطحبها إلى منزلها خلال فترة توليها رئاسة جماعة مراكش.
وقدمت القناة وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة باعتباره حدثاً تاريخياً في المغرب، بعدما أصبحت أول امرأة تتولى هذا المنصب، مشيرة إلى أن حزب الأصالة والمعاصرة تصدر انتخابات 23 شتنبر بحصوله على 97 مقعداً.
ويأتي ذلك بعد أن أعلن بلاغ رسمي لوزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة أن الملك محمد السادس استقبل فاطمة الزهراء المنصوري، أمس الثلاثاء 29 شتنبر 2026 بالقصر الملكي بالرباط، وعينها، بمقتضى الفصل 47 من الدستور، رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة.
أما صحيفة «Israel Hayom» فاختارت زاوية أكثر مباشرة، تحت عنوان يفيد بأن المغرب دخل التاريخ بعدما عيّن الملك امرأة للمرة الأولى لرئاسة الحكومة، وركزت على المسار السياسي للمنصوري وعلى تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات بـ97 مقعداً من أصل 395.
وبذلك، لا تقدم هذه التغطيات دليلاً على تحول في السياسة المغربية تجاه إسرائيل، كما لا تتضمن تصريحاً جديداً للمنصوري بشأن التطبيع أو موقفاً رسمياً منها تجاه الإسلاميين.
وبالمثل، لا يمكن التعامل مع كلام جاكي قدوش باعتباره تعبيراً عن توجه حكومي، فهو يقدم تقديراً شخصياً من رجل يقول إنه يعرف المنصوري وعائلتها منذ سنوات.
ما تكشفه التغطية، في المقابل، هو زاوية الاهتمام التي اختارها جزء من الإعلام الإسرائيلي في الساعات الأولى بعد التعيين: استحضار علاقة المنصوري بالمكون اليهودي في مراكش، وإعادة فتح ملف الإسلاميين داخل المشهد السياسي المغربي، بالتوازي مع متابعة تشكيل الحكومة الجديدة.
وبين صورة «أول امرأة ترأس الحكومة» التي تصدرت العناوين الدولية، ورواية زيارتها السابقة إلى كنيس مراكش التي اختار «Ynet» وضعها في واجهة تغطيته، دخلت فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة وسط اهتمام إسرائيلي مبكر لا يقتصر على تشكيل الأغلبية وأسماء الوزراء، بل يمتد أيضاً إلى ملفات العلاقة مع إسرائيل وموقع الإسلاميين في المرحلة السياسية الجديدة.
