بقلم: الباز عبدالإله
في أقل من خمسة أسابيع، انتقل قاموس نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، من رفض الانجرار إلى صراع الأحزاب، إلى إعلانه أن حزبه سيواصل دعم «التجربة السياسية في البلاد» كيفما كان موقعه.
وبين العبارتين جاءت انتخابات 23 شتنبر، وتغيرت معها الخريطة السياسية التي ستُبنى عليها الحكومة الجديدة.
قبل الانتخابات، كان بركة حريصاً على إبقاء حزبه بعيداً عن المواجهة التي اشتعلت بين حليفيه في الحكومة، التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة.
فخلال تقديم البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال يوم 29 غشت، قال إن حزبه «لن ينساق أبداً في منطق الصراع والسجال»، معتبراً أن الأهم بعد الانتخابات هو الوصول إلى «أغلبية قوية»، وأن الدخول في تلك المواجهات لن يخدم مصالح المواطنين.
كان ذلك قاموس مرحلة المنافسة.
لكن أول انتقال في لغة بركة لم ينتظر حتى انطلاق مشاورات تشكيل الحكومة.
فصباح 24 شتنبر، مباشرة بعد إعلان النتائج المؤقتة للانتخابات، قال إن المرحلة الجديدة تقتضي «الخروج من منطق التنافس الانتخابي» والتركيز على انتظارات المواطنين والتعبئة لمواجهة التحديات الكبرى، مضيفاً أن «حزب الاستقلال سيواصل أينما كان موقعه، العمل لما فيه مصلحة الوطن والمواطن».
كانت الصيغة واسعة سياسياً، إذ يمكن لحزب مشارك في الحكومة أو متموقع في المعارضة أن يتحدث عن العمل من أجل مصلحة الوطن والمواطن.
لكن بعد ستة أيام أصبحت العبارة أكثر اتصالاً بسياق المرحلة السياسية الجديدة.
عقب لقائه، اليوم الأربعاء 30 شتنبر، برئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري في إطار مشاورات تشكيل الحكومة، أكد بركة أن حزب الاستقلال «سيواصل دعم التجربة السياسية في البلاد، كيفما كان موقعه».
وفي الوقت نفسه، أوضح أن قرار المشاركة في الحكومة لم يُحسم بعد، وأن المجلس الوطني للحزب هو الذي سيتداول فيه خلال اجتماعه المقرر السبت 3 أكتوبر.
وهنا تبرز المفارقة السياسية.
في 24 شتنبر كان الحديث عن «العمل لما فيه مصلحة الوطن والمواطن أينما كان الموقع».
أما في 30 شتنبر، وبعد الجلوس إلى طاولة المشاورات مع المنصوري، فقد انتقل الخطاب إلى صيغة أكثر تحديداً: «دعم التجربة السياسية في البلاد» كيفما كان موقع الاستقلال.
الفرق محدود في الألفاظ، لكنه ليس بلا دلالة سياسية.
فالمجلس الوطني لم يقل بعد كلمته بشأن المشاركة في الحكومة، بينما عبّر الأمين العام، قبل انعقاده، عن موقف عام يقوم على مواصلة دعم التجربة السياسية أياً كان الموقع الذي سينتهي إليه الحزب.
ولا يعني ذلك أن قرار المجلس أصبح محسوماً مسبقاً، كما لا يعني أن الاستقلال، إذا بقي خارج الحكومة، سيتخلى بالضرورة عن ممارسة المعارضة.
لكنه يجعل النقاش متعلقاً بشكل هذا الدعم وحدوده إذا اختار الحزب عدم المشاركة.
وتكشف مقارنة التصريحات تغيراً واضحاً في قاموس المرحلة.
في 29 غشت حضرت مفردات «الصراع والسجال» و«الأغلبية القوية» في قلب الحملة الانتخابية.
وفي 24 شتنبر، مباشرة بعد الصناديق، انتقلت اللغة إلى «الخروج من منطق التنافس» و«التعبئة» والعمل من أجل الوطن «أينما كان الموقع».
ثم في 30 شتنبر، مع بدء مشاورات تشكيل الحكومة، ظهرت صيغة أكثر ارتباطاً بالسياق السياسي الجديد: «دعم التجربة السياسية في البلاد»، إلى جانب حديث بركة عن تقوية الجبهة الداخلية والتشغيل والقدرة الشرائية وتوسيع الطبقة الوسطى.
المعطيات المتاحة لا تثبت انقلاباً كاملاً في موقف نزار بركة، لكنها ترسم انتقالاً سريعاً من خطاب المنافسة الانتخابية إلى خطاب التكيف مع الخريطة التي أفرزها اقتراع 23 شتنبر.
وستأخذ عبارة «دعم التجربة كيفما كان الموقع» معناها السياسي الأدق بعد قرار المجلس الوطني.
فالمشاركة ستجعل هذا الدعم منسجماً مع موقع الاستقلال داخل الأغلبية، أما اختيار البقاء خارج الحكومة فسيجعل مضمون هذا الدعم وحدوده موضع اختبار مع انطلاق الولاية السياسية الجديدة.
