رفع محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، سقف المطالب في وجه المرحلة السياسية الجديدة، واضعاً الفساد ونهب المال العام والريع والرشوة والإفلات من العقاب في مقدمة الملفات التي يرى أنها ستحدد ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستؤسس فعلاً لتغيير في المسار أم ستكتفي بتغيير الوجوه والتحالفات.
وفي تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، قال الغلوسي إن المغاربة ينتظرون «إرادة سياسية حقيقية للقطع مع الفساد ونهب المال العام والريع والرشوة والإفلات من العقاب»، إلى جانب تخليق الحياة العامة وتعزيز الثقة في المؤسسات وتقليص الهوة بين الأغنياء والفقراء وتحقيق عدالة مجالية تنصف هوامش المدن والقرى.
وتأتي التدوينة غداة تعيين الملك محمد السادس، الثلاثاء 29 شتنبر 2026، فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها، بمقتضى الفصل 47 من الدستور، بتشكيل الحكومة الجديدة.
وبينما تتجه الأنظار إلى مشاورات تشكيل الأغلبية وتوزيع الحقائب الوزارية، وضع الغلوسي النقاش في مستوى آخر، معتبراً أن الحديث عن «الدولة الاجتماعية» والأوراش والبرامج الكبرى لا معنى له إذا لم يلمس المغاربة نتائج ذلك مباشرة في حياتهم اليومية.
وكتب: «لا معنى لترديد خطاب الدولة الاجتماعية والاستمرار في إنجاز الأوراش والبرامج المعلن عنها إذا لم يلمس المغاربة أثر ذلك في حياتهم اليومية».
وربط الغلوسي ذلك بالالتزام بالوعود الانتخابية، وفي مقدمتها، بحسب ما أورده، رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم، إلى جانب جعل أسعار اللحوم وقنينات الغاز وغيرها في «الحدود المعقولة»، ومواجهة الغلاء والاحتكار وتوفير فرص الشغل والنهوض بالتعليم والصحة.
ولم تتوقف تدوينته عند القدرة الشرائية، إذ انتقل مباشرة إلى المال العمومي مستعملاً لغة شديدة، ومطالباً بوقف ما وصفه بـ«نزيف الدعم العمومي الموجه للفراقشية ومصاصي الدماء».
أما الرسالة الأكثر ثقلاً فتعلقت بالفساد نفسه.
الغلوسي قال إنه «لا معنى للسياسة والانتخابات إذا لم يتم التصدي للفساد الذي تغول كثيراً وأصبح هيكلياً يستنزف موارد كثيرة ويجهض الأمل والحلم في حياة كريمة».
وحذر، وفق تقديره، من أن خطورة الفساد يمكن أن تصل إلى إفراغ المشاريع والأوراش الكبرى من أثرها، قائلاً إنه «بإمكانه أن يهدم حتى تلك المشاريع والأوراش الكبرى وتصبح كمن يسكب الماء على الرمل».
وفي قلب هذه الرسالة، وضع الغلوسي نسبة المشاركة في انتخابات 23 شتنبر تحت الضوء.
فالمعطيات الرسمية حددت نسبة المشاركة الوطنية في 38.02 في المائة، فيما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً.
لكن الغلوسي لم يتعامل مع الرقم باعتباره مجرد نسبة انتخابية، بل قدم له قراءة سياسية حادة قائلاً: «نسبة التصويت 38% جرس إنذار لا يجب الاستهانة به».
واعتبر أن الرقم يعكس، بحسب قراءته، «سخطاً شعبياً وتذمراً ورسالة احتجاج ضد السياسات المتبعة ومحاكمة للمسؤولين الذين يدبرون الشأن العام»، ويترجم «شعوراً بعدم الرضا».
ثم رفع نبرة التحذير أكثر، متحدثاً عما وصفه بـ«تمرد صامت يسكن في الزوايا ويمكنه أن يتحول لا قدر الله إلى لهيب».
الغلوسي أعاد بعدها النقاش إلى المساواة أمام القانون، معتبراً أن الفساد لا يستنزف الموارد فقط، بل يجعل المواطن يشعر بالتمييز في تطبيق القانون وقواعد العدالة.
وقال إن المواطن يشعر، بحسب تعبيره، بـ«مرارة كون القانون يستثني لصوص المال العام والمفسدين في حين يعاقب الصغير والمواطن البسيط والحقوقي والصحفي فقط لأنه كتب تدوينة لا يستسيغها المسؤول هنا أو هناك».
ووضع رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام أمام المرحلة المقبلة لائحة مطالب مؤسساتية وتشريعية واضحة، من بينها تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، وإعادة النظر في قانون التصريح بالممتلكات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز أدوار مؤسسات الحكامة وحماية الحقوق والحريات.
وبحسب رؤيته، فإن قوة المغرب في عالم مضطرب لا ترتبط فقط بحجم الاستثمارات والأوراش الكبرى، بل أيضاً بقوة المؤسسات ومناعة الاقتصاد ونجاعة التدبير وتحصين الجبهة الداخلية باحترام الحقوق والحريات.
وبين مشاورات تشكيل الحكومة وحسابات توزيع الحقائب، نقل الغلوسي النقاش إلى امتحان آخر أكثر حساسية: هل ستترجم المرحلة الجديدة إلى تغيير فعلي في التعامل مع الفساد والمال العام والريع وتضارب المصالح، أم أن التغيير سيتوقف عند حدود الأشخاص والمواقع؟
واختصر الغلوسي رهانه على المرحلة المقبلة في سؤال واحد ختم به تدوينته: «فهل سنرى حكومة تجسد تغييراً للمسار وتتجاوب مع نبض وهموم وقضايا المجتمع أم ستبقى دار لقمان على حالها؟».
