بقلم: الباز عبدالإله
المشاورات التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري لا تتعلق فقط بالبحث عن أرقام تكمل نصاب الأغلبية، لأن تشكيل الحكومة تحكمه معادلة أكثر تعقيداً: من يدخل إلى الأغلبية، ومن يبقى في الضفة المقابلة، وكم مقعداً يمكن أن تجتمع عليه المعارضة إذا قررت تنسيق أوراقها داخل البرلمان؟
يبدأ حزب الأصالة والمعاصرة المعادلة بـ97 مقعداً، بينما تتطلب الأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب 198 مقعداً، ما يعني أن المنصوري تحتاج إلى 101 مقعد إضافي على الأقل. وأقصر الطرق يمر عبر شريكي البام في التجربة الحكومية السابقة، فالتجمع الوطني للأحرار يملك 66 مقعداً، وحزب الاستقلال 65 مقعداً، وجمع القوى الثلاث يمنحها 228 مقعداً، أي أغلبية جاهزة حسابياً بثلاثة مكونات فقط وهامش 30 مقعداً فوق الأغلبية المطلقة.
لكن هذا السيناريو يعني أيضاً إعادة جمع التحالف الذي أدار مرحلة عزيز أخنوش، مع انقلاب في مواقع القيادة: البام يقود بعدما كان شريكاً، والأحرار يعود شريكاً بعدما كان يقود، بينما يستمر الاستقلال في المعادلة نفسها.
وبذلك قد يتغير رأس الحكومة وترتيب القوى داخلها، بينما تبقى المكونات الحزبية الثلاثة نفسها حول الطاولة.
غير أن للرقم 228 وجهاً آخر، لأن الاكتفاء بهذا الثلاثي يعني بقاء 167 نائباً خارج الحكومة، وهنا يصبح حجم المعارضة جزءاً من حساب هندسة الأغلبية نفسها.
فخُمس أعضاء مجلس النواب، أي 79 نائباً، يتيح تقديم ملتمس للرقابة، وإن كان إسقاط الحكومة يحتاج إلى موافقة الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس، أي 198 صوتاً.
كما يتيح الدستور تشكيل لجان نيابية لتقصي الحقائق وفق الشروط المنصوص عليها في الفصل 67 والمقتضيات المنظمة لعمل هذه اللجان.
وجود 167 نائباً خارج الحكومة لا يعني أنهم سيتحولون تلقائياً إلى جبهة واحدة، فالاختلافات السياسية والأيديولوجية بين الأحزاب لا تختفي بمجرد انتقالها إلى المعارضة، لكنه يعني حسابياً وجود كتلة وازنة يمكنها، إذا توفرت شروط التنسيق المطلوبة، تفعيل عدد من أدوات الرقابة البرلمانية.
وهنا لا يعود السؤال فقط كيف تصل المنصوري إلى 198، بل ما حجم الأغلبية التي ستختار تشكيلها، وما حجم المعارضة التي ستبقى في الجهة المقابلة؟
فكل حزب إضافي يدخل الحكومة يرفع عدد مقاعد الأغلبية ويسحب العدد نفسه من المساحة الموجودة خارجها، ومن وسط هذه الحسابات يظهر رقم أصغر لكنه قابل للدخول في أكثر من تركيبة: 29 مقعداً للحركة الشعبية.
هذه المقاعد لا تصنع الأغلبية بمفردها ولا تجعل الحركة صاحبة القرار في تشكيل الحكومة، لكنها تظهر كلما بدأ أحد السيناريوهات يبحث عن هامش إضافي.
إذا خرج الأحرار، يظهر الـ29، وإذا خرج الاستقلال، يعود الـ29، وإذا اكتملت أغلبية 228 وأرادت قيادة المشاورات توسيع حزامها البرلماني، يمكن أن يظهر الرقم نفسه مرة أخرى.
وبلغة أوراق اللعب، يبدو الـ29 أقرب إلى «جوكر» المشاورات؛ ليس الورقة التي تبدأ بها اللعبة، لكنه يبقى صالحاً للاستعمال عندما يحتاج الحساب إلى تعديل.
فإذا اجتمع البام والأحرار والاستقلال ثم انضمت إليهم الحركة الشعبية، ترتفع الأغلبية من 228 إلى 257 مقعداً، وينخفض عدد النواب الموجودين خارجها من 167 إلى 138.
أما إذا خرج الأحرار، فإن البام والاستقلال يجمعان 162 مقعداً، وإضافة الـ29 ترفع التركيبة إلى 191، ليصبح حزب آخر كافياً لعبور الأغلبية.
وإذا خرج الاستقلال وبقي الأحرار، يبدأ التحالف من 163 مقعداً، ثم يرفعه الـ29 إلى 192، قبل البحث عن المقاعد القليلة المتبقية لإغلاق الحساب.
لكن الحركة الشعبية ليست الورقة الوحيدة المتاحة، فهناك الاتحاد الاشتراكي بـ26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية بـ19، والاتحاد الدستوري بـ17، وهو ما يمنح المنصوري أكثر من طريق: إعادة الثلاثي السابق، أو تغيير أحد أضلاعه، أو توسيع الأغلبية بحزب رابع وربما أكثر.
وهنا تبدأ المفارقة السياسية، لأن توسيع التحالف يمكن أن يمنح الحكومة هامشاً أكبر داخل مجلس النواب ويقلص عدد المقاعد الموجودة في المعارضة، لكنه يرفع في المقابل عدد الشركاء الذين ينبغي التوفيق بينهم داخل الحكومة.
فالحزب الذي يدخل لا يأتي بمقاعده فقط، بل يأتي بقيادته وبرنامجه وأولوياته وانتظاراته، ويصبح جزءاً من التفاوض حول الحقائب والمسؤوليات والتوازنات داخل الجهاز التنفيذي.
وبذلك تصبح المعادلة دقيقة: كلما اتسعت الأغلبية داخل البرلمان، اتسعت معها دائرة التوافق المطلوبة داخل الحكومة. ثلاثة أحزاب يمكن أن تمنح المنصوري 228 مقعداً، وإذا أضيفت إليها الحركة الشعبية تحديداً يصبح الرقم 257، ويمكن لتركيبات أخرى أن تنتج أرقاماً مختلفة بحسب الأحزاب التي ستدخل وتلك التي ستبقى خارجاً.
لكن عند نقطة معينة يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام هندسة أغلبية سياسية يجمعها برنامج حكومي واضح، أم أن هاجس توسيع الحزام البرلماني يمكن أن يدفع نحو جمع أكبر عدد ممكن من المقاعد؟
وهنا تصبح عبارة «المصلحة الوطنية»، التي حضرت سريعاً في لغة ما بعد الانتخابات، أمام اختبارها الحقيقي، لأن المصلحة الوطنية لا تقاس بعدد الأحزاب الموجودة داخل الحكومة ولا بعدد المقاعد التي تبقى في المعارضة، وإنما بما ستفعله الأغلبية التي ستخرج من هذه المشاورات، وبالبرنامج الذي ستلتزم به، وبقدرتها على تحمل المسؤولية السياسية عن اختياراتها.
الأرقام واضحة: 198 هي عتبة الأغلبية المطلقة، و228 إذا عاد البام والأحرار والاستقلال معاً، و257 إذا أضيفت الحركة الشعبية تحديداً إلى هذا الثلاثي.
وبين هذه الأرقام توجد تركيبات أخرى، لكل واحدة منها كلفتها السياسية وحجمها البرلماني وطبيعة المعارضة التي ستتركها في الجهة المقابلة.
أما إذا انتهت وصفة «الأغلبية المريحة» إلى حزب يُضاف، وآخر يُستدعى، و«جوكر» يُسحب كلما تعثر الحساب، فيما تتسع طاولة الحقائب كلما ضاقت مساحة المعارضة، فحينها يصبح السؤال أكبر من 198 و228 و257: أين ينتهي منطق الاستقرار الحكومي، وأين تبدأ حسابات اقتسام السلطة؟
وإذا اختُزل الجواب كله في جمع المقاعد وتوزيع الكراسي، فلك الله يا وطني.. والفاهم يفهم.
