امرأة تدخل التاريخ السياسي للمغرب من أوسع أبوابه بتولي رئاسة الحكومة لأول مرة، لكن أغلب من دخلوا عليها في اليوم الموالي للتشاور حول الحكومة الجديدة كانوا رجالاً.
هذه هي المفارقة التي التقطها الكاتب والصحافي مصطفى الفن في تدوينة لافتة، واضعاً الصور الأولى لمشاورات فاطمة الزهراء المنصوري أمام سؤال يتجاوز توزيع الحقائب والتحالفات إلى صورة الأحزاب نفسها وموقع النساء داخل دوائر القرار.
الفن انطلق من اعتبار التعيين الملكي لفاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة «رسالة إيجابية في معركة التحديث»، ورسالة ذات بعد رمزي غير مسبوق في التاريخ السياسي للمملكة.
والثابت أن الملك محمد السادس عيّن المنصوري، الثلاثاء 29 شتنبر 2026، رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في المغرب.
لكن بالنسبة إلى مصطفى الفن، فإن أول امتحان رمزي لهذه اللحظة جاء سريعاً.
ففي اليوم الموالي، وبينما بدأت الوفود تتقاطر على المقر المركزي لحزب الأصالة والمعاصرة للقاء رئيسة الحكومة المعينة، ظهرت مجموعة من أبرز الأحزاب بوفود رجالية بالكامل.
التجمع الوطني للأحرار حضر بمحمد شوكي وراشيد الطالبي العلمي ومحمد بوسعيد، بينما ضم وفد حزب الاستقلال نزار بركة وعبد الجبار الراشدي وعبد الصمد قيوح ومحمد ولد الرشيد.
الحركة الشعبية بدورها جاءت بمحمد أوزين وامحند العنصر وهشام رحيل، فيما اقتصر وفد الاتحاد الاشتراكي على إدريس لشكر ومصطفى عجاب.
وهنا أطلق مصطفى الفن عبارته الأكثر حدّة، معتبراً أن المشهد بدا «كما لو أن أحزابنا مصابة بالعقم وليس بها نساء».
ولم يُفلت إدريس لشكر من سخرية صاحب التدوينة، إذ كتب الفن أن «صديقنا إدريس»، الذي قال إنه جرت العادة أن يصطحب ابنته في «هكذا مناسبات»، أخل هذه المرة بذلك «العرف لأسباب غير معروفة».
لكن قاعدة الوفود الرجالية لم تكن مطلقة.
حزب التقدم والاشتراكية كسر المشهد، إذ ضم الوفد الذي ترأسه نبيل بنعبد الله كلاً من فاطمة الزهراء برصات وثورية الصقلي، إلى جانب سعيد أقداد ورشيد حموني وعبد الرحيم بنصر.
غير أن مصطفى الفن لم يعتبر أن المفارقة الكبرى كانت فقط في الأحزاب القادمة إلى المشاورات.
بالنسبة إليه، فإن «أم المفارقات» كانت داخل ما سماه «دار العرس» نفسها.
فداخل حزب الأصالة والمعاصرة توجد امرأة أخرى في موقع تنظيمي متقدم هي نجوى ككوس، رئيسة المجلس الوطني للحزب، وهي الصفة التي ما زال الموقع الرسمي لـ«البام» يثبتها لها في مادة منشورة بتاريخ 27 غشت 2026.
ومن هنا تساءل الفن: لماذا لم تكن ككوس، التي وصفها بـ«المرأة الثانية داخل البام»، في واجهة استقبال رجال الوفود الحزبية، في لحظة سياسية تقوم رمزية جزء كبير منها أصلاً على وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة؟
المفارقة ازدادت حدة في تدوينة الفن عندما انتقل إلى اسم أحمد أخشيشن.
فأخشيشن، وزير التربية الوطنية الأسبق، ظهر ضمن اللجنة التي شكلها «البام» لتدبير مشاورات تشكيل الحكومة إلى جانب المنصوري وعبد اللطيف وهبي وفوزي لقجع.
الفن أعاد هنا فتح ملف قديم وثقيل، مستحضراً الجدل المرتبط بالبرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم الذي نُفذ خلال الفترة التي كان فيها أخشيشن وزيراً للقطاع، وذهب في تدوينته إلى الحديث عن «ما يقارب 44 مليار درهم كانت مخصصة للنهوض بقطاع التعليم».
والرقم ليس بلا أصل، لكن التدقيق فيه ضروري.
فـ44 مليار درهم هو المبلغ المتداول باعتباره كلفة البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم، وقد عادت الجمعية المغربية لحماية المال العام في فبراير 2026 إلى انتقاد اقتصار المتابعات في ملفات مرتبطة بالبرنامج على مسؤولين وموظفين، متسائلة عن عدم امتداد المساءلة إلى الوزير المسؤول عن القطاع آنذاك ودائرته.
لكن ذلك لا يعني وجود حكم قضائي يثبت أن أحمد أخشيشن شخصياً بدد 44 مليار درهم، ولا أن كامل المبلغ موضوع اختلاس، ولذلك يبقى هذا الجزء من تدوينة الفن موقفاً وانتقاداً سياسياً منه، لا إدانة قضائية ثابتة.
وهنا تكتمل الصورة التي أراد مصطفى الفن رسمها.
في الأعلى، حدث تاريخي بتعيين أول امرأة رئيسة للحكومة ورسالة رمزية مرتبطة بحضور النساء والتحديث.
وفي الأسفل، أغلب الوفود الأولى التي جاءت للتفاوض معها مكونة من رجال، ورئيسة المجلس الوطني لحزبها خارج واجهة المشاورات، بينما يعود إلى الواجهة اسم وزير سابق ما زال ملف البرنامج الاستعجالي الذي نُفذ في عهده يثير أسئلة سياسية وحقوقية.
مصطفى الفن لم يحتج إلى كثير من الكلمات لتلخيص كل ذلك.
فاختار مثلاً شعبياً مغربياً واحداً:
«قال ليه: باك طاح.. قال ليه: من الخيمة مشى مايل».
وهي العبارة التي ختم بها تدوينته بعدما وضع أولى مشاورات المنصوري أمام مفارقة يصعب ألا تلفت الانتباه: امرأة تصعد لأول مرة إلى أعلى موقع حكومي، فيما الأحزاب نفسها ما زالت تجد صعوبة في وضع النساء حول طاولة القرار.
