لم ينشغل الدكتور علاء الدين بنهادي كثيراً بسؤال من سيقود الحكومة المقبلة، ولا بالتحالفات الممكنة بين الأحزاب، بقدر ما وضع نتائج الانتخابات أمام سلسلة من الأسئلة التي اعتبرها أكبر من مجرد ترتيب حزبي جديد داخل البرلمان.
في الحلقة الحادية والعشرين من الموسم الثالث من بودكاست «الزمن السياسي»، التي حملت عنوان «من يمثل 23 مليوناً من العازفين؟»، اعتبر بنهادي أن الانتخابات الأخيرة تختلف عن الاستحقاقات التي عرفها المغرب خلال ربع القرن الماضي، وقال إنها جاءت في سياق سياسي وحزبي واجتماعي يطرح «ألف سؤال»، إلى جانب تحولات جيوسياسية إقليمية ودولية.
وبالنسبة إليه، فإن الذهاب مباشرة إلى تخمين تركيبة الحكومة المقبلة ومن سيكون في الأغلبية أو المعارضة يفوّت، في هذه المرحلة، أسئلة أعمق بشأن ما جرى خلال الحملة ويوم الاقتراع وما أفرزته صناديق التصويت.
وقال بنهادي إن الحملات الانتخابية لم تشهد، في تقديره، عرضاً سياسياً وبرامجياً قوياً من طرف أحزاب الأغلبية أو المعارضة، معتبراً أن ما برز أكثر كان العلاقات الاجتماعية والعائلية والقبلية والولائم والتركيز على القرى والمناطق النائية.
ووضع «الأعيان» في قلب قراءته لما جرى، قائلاً إن العلاقة بينهم وبين الأحزاب تغيرت جذرياً.
وبحسب تعبيره، كان الأعيان في استحقاقات سابقة «أدوات في يد الأحزاب»، بينما أصبحت، في نظره، «الأحزاب أدوات في يد الأعيان».
وتوقع بنهادي أن يفرز هذا الواقع برلماناً تحضر فيه بقوة شخصيات من عالم الأعيان، إلى جانب وجوه صعدت من منصات مثل «تيك توك» و«إنستغرام» و«يوتيوب»، قبل أن تجد نفسها داخل مؤسسة دستورية مهمتها التشريع ووضع القوانين.
ومن هنا طرح سلسلة من الأسئلة: هل تعكس النتائج انتظارات الناخبين؟ وهل تعكس طموحات المجتمع والدولة؟ وأين توجد الطبقة الوسطى والنخب المثقفة والشباب والنساء في هذه العملية السياسية؟
ووضع بنهادي العزوف في قلب المشكلة، متسائلاً عن معنى أن تُبنى المؤسسات المنتخبة بينما توجد كتلة واسعة من المغاربة خارج المشاركة الانتخابية.
واعتبر أن «الأغلبية الصامتة» لم تعد صامتة بالمعنى السابق، لأن جزءاً من المواطنين أصبح يعبر عن غضبه وموقفه عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي.
وقال إن ما يظهر على «يوتيوب» و«فيسبوك» و«تيك توك» و«إنستغرام» يعكس، بحسب قراءته، حالة من فقدان الثقة في الانتخابات والأحزاب، محذراً من أن يصل هذا الفقدان في الثقة إلى المؤسسات الدستورية.
وربط بنهادي هذا الوضع بالغضب الاجتماعي المتراكم لدى فئات من الشباب، مؤكداً أن «الشعوب تراكم غضبها»، وأن جزءاً من هذا الغضب لم يعد يتشكل داخل الأحزاب والنقابات والمؤسسات الوسيطة، بل في العالم الرقمي وخارج قنوات التأطير السياسي التقليدية.
واعتبر أن ما ظهر خلال الاحتجاجات الشبابية السابقة لا ينبغي التعامل معه باعتباره ظاهرة عابرة تنتهي بمجرد عودة المحتجين إلى بيوتهم، لأن الغضب، وفق تعبيره، يتراكم ويبحث في النهاية عن منفذ.
وعاد بنهادي إلى نتائج الانتخابات ليتساءل عما إذا كان تغيير ترتيب الأحزاب يكفي فعلاً لتغيير المشهد السياسي.
فالأحزاب التي كانت ضمن التجربة الحكومية السابقة ظلت، بحسب قراءته، في صدارة الخريطة، وإن تغير ترتيبها، وهو ما دفعه إلى التساؤل عما إذا كان انتقال حزب من المرتبة الثانية إلى الأولى وتراجع آخر من الأولى إلى الثانية كافياً لامتصاص غضب الناس أو تجاوز حالة الاحتقان.
وطرح بنهادي في هذا السياق سؤالاً أكثر حدة: هل نحن أمام «موت الأحزاب»؟
وقال إن الحزب، باعتباره ظاهرة سياسية واجتماعية وتاريخية، يحتاج إلى زمن لبناء الخبرة والنضج، مستحضراً في هذا الإطار وصول حزب حديث نسبياً من حيث العمر السياسي إلى صدارة المشهد.
كما توقف عند حزب العدالة والتنمية وموقف أمينه العام الرافض، بحسب ما استحضره في الحلقة، الدخول في حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة.
وتساءل بنهادي عما إذا كان الأمر يتعلق بموقف سياسي نهائي، أم بتكتيك أو توزيع للأدوار داخل خريطة سياسية أوسع.
وطرح احتمال وجود «هندسة سياسية» أو تفاهمات تسبق تشكيل الحكومة، لكنه قدم ذلك في صيغة سؤال واحتمال، مستحضراً أن التاريخ السياسي المغربي عرف أشكالاً من التوافقات خلال تجارب حكومية متعددة.
وأكد أن وجود التوافقات في حد ذاته ليس المشكلة، وإنما المشكلة، وفق كلامه، أن تبتعد هذه التوافقات عن «إرادة الناس» وعن «الشرعية الشعبية» و«شرعية صناديق الاقتراع».
ومن هنا طرح سؤاله المباشر: «هل المدخلات هي المخرجات؟»
وتوقف بنهادي عند ما تم تداوله على المنصات الرقمية بشأن المال الانتخابي والاحتجاجات داخل بعض مكاتب التصويت وتدخل السلطات المحلية واعتراضات مراقبي الأحزاب، معتبراً أن استمرار الغموض حول هذه الملفات يفتح الباب أمام الإشاعة والتأويل ويزيد من عدم الاطمئنان.
لكنه شدد على أن المشكلة، في نظره، لا تتوقف عند نتائج الاقتراع ولا عند اسم رئيس الحكومة المقبلة.
فالسؤال الأكبر عنده هو: هل الأحزاب والنخب التي أفرزها المشهد السياسي قادرة على مواكبة مغرب يريد تنفيذ مشاريع كبرى ومواجهة تحديات إقليمية ودولية ثقيلة؟
وفي هذا السياق عقد بنهادي مقارنة لافتة بين السياسة الداخلية والدبلوماسية المغربية.
وقال، وهو يتحدث عن خطاب وزير الخارجية ناصر بوريطة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إنه شعر كما لو أنه أمام وزير خارجية دولة تضع معالم مشروع توسع اقتصادي وقوة عسكرية وتصنيع وحركة دبلوماسية قوية إقليمياً ودولياً.
ومن هنا طرح سؤالاً اعتبره أساسياً: لماذا لا يشبه «العقل السياسي الدبلوماسي» المغربي في الخارج العقل السياسي الذي يدبر الشأن الداخلي؟
وتساءل عن سبب قدرة المغرب، في الملفات الخارجية، على التحرك بثقة وقوة وندية، مقابل ما وصفه داخلياً بخطاب حزبي طبعته الاتهامات والسباب والصراعات التي لا ترقى، في نظره، إلى مستوى التحديات التي تواجه البلاد.
وبالنسبة إلى بنهادي، تبدو الصورة كما لو أن هناك مغربين يتحركان بسرعتين مختلفتين.
مغرب يفكر في 2034 و2036 و2040، في المشاريع الكبرى والقوة الاقتصادية والتحرك الدبلوماسي والموقع الإقليمي والدولي.
وفي المقابل، مشهد سياسي داخلي يرى أنه ما زال أسير الأعيان والعلاقات الاجتماعية التقليدية والولائم واستغلال الفقر والهشاشة وضعف الوعي السياسي.
وفي ختام حديثه، عاد إلى السؤال الذي ظل حاضراً في الحلقة كلها: هل مشكلة المغرب اليوم هي فعلاً معرفة من سيرأس الحكومة ومن سيدخل الأغلبية ومن سيذهب إلى المعارضة؟
أم أن السؤال الحقيقي أصبح متعلقاً بنوعية الطبقة السياسية نفسها، ونوعية البرلمان الذي سيشرع للمغاربة، وقدرة الأحزاب على إنتاج جيل سياسي يستطيع مواكبة المغرب الذي يراد بناؤه؟
وبصيغة أكثر مباشرة: من يمثل الكتلة الواسعة من المغاربة الذين ظلوا خارج صناديق الاقتراع؟
ومن سيقنعهم مستقبلاً بأن لهم مكاناً داخل العملية السياسية بدل أن يبنوا غضبهم ومواقفهم خارجها؟
