بقلم: الباز عبدالإله
اتسعت المطالب الحقوقية بفتح تحقيق في وفاة ثلاثة عمال بمنجم «إغرم أوسار»، ضمن مناجم جبل عوام بضواحي مريرت، بعدما حمّلت هيئتان حقوقيتان الشركة المستغلة والجهات المكلفة بالمراقبة تبعات الفاجعة التي وقعت يوم 25 شتنبر، وطالبتا بتحديد المسؤوليات وجبر ضرر أسر الضحايا.
الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أوضحت، في بيان مؤرخ في 28 شتنبر ومنشور على موقعها يوم 29 منه، أن الحادث وقع، بحسب المعطيات المتوفرة لديها، بعدما أدى احتكاك آلة حفر بشحنة متفجرة قديمة لم يجر تفجيرها سابقاً أثناء أشغال تثقيب الصخور إلى انفجار أودى بحياة عاملين في المكان، فيما توفي العامل الثالث أثناء نقله إلى المستشفى.
الضحايا، وفق البيان، هم محمد البالغ 29 سنة، وعبد الله البالغ 40 سنة، وإسماعيل البالغ 45 سنة، فيما عبّرت الجمعية عن إدانتها لظروف العمل وما اعتبرته غياباً لشروط السلامة، وحمّلت الدولة والشركة تبعات الحادث، مطالبة بفتح تحقيق جاد ومحايد لتحديد المسؤوليات.
الغضب لم يبق داخل المنجم، إذ أفادت الجمعية بأن العمال نظموا مسيرة مشياً نحو عمالة خنيفرة، وتحدثت عن محاولة القوات العمومية عرقلة تقدمها، قبل تدخل السلطات المحلية لدى الشركة وفتح حوار مع ممثلي العمال مساء 28 شتنبر.
المركز المغربي لحقوق الإنسان صعّد بدوره سقف المطالب في بيان نُشر نصه الكامل يوم 1 أكتوبر، وسمّى شركة تويسيت «CMT» بوصفها الشركة التي يتبع لها المنجم، معتبراً أن الواقعة تستدعي مساءلة شروط الوقاية والسلامة والإنقاذ داخل المنشأة المنجمية.
المركز قدّر عمق النفق الذي وقع فيه الحادث بما بين 500 و600 متر، وتحدث عن نقص في التجهيزات الطبية والاستعجالية ووسائل الاتصال ومسالك الإغاثة، معتبراً أن ظروف الإخلاء أهدرت وقتاً حاسماً كان يمكن أن يفيد في إنقاذ العامل الثالث.
وتظل هذه المعطيات منسوبة إلى المركز الحقوقي، في انتظار ما قد تكشفه نتائج البحث التقني أو القضائي بشأن ظروف الانفجار، وسرعة التدخل، ومدى توفر وسائل الإسعاف والإنقاذ داخل المنجم.
المساءلة التي يطالب بها المركز لا تتوقف عند الشركة المستغلة، بل تشمل أيضاً قطاع المعادن بوزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، بسبب ما وصفه بالتقصير في الإشراف التقني، ووزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، بسبب ما اعتبره ضعفاً في تفتيش الشغل ومراقبة شروط الصحة والسلامة.
وطالب المركز بإحداث لجنة تقنية ورقابية مستعجلة، ووقف العمل بالمقاطع التي لا تستوفي شروط السلامة، وتعويض أسر الضحايا، معتبراً أن معالجة الملف ينبغي أن تشمل تحديد المسؤوليات المحتملة عن أي إهمال يثبته التحقيق، إلى جانب تفعيل المقتضيات المرتبطة بحوادث الشغل.
لكن التدقيق في الجانب القانوني يكشف خطأ مهماً ورد في بيان المركز بشأن اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 176 الخاصة بالسلامة والصحة في المناجم.
فخلافاً لما ورد في البيان من أن المغرب لم يصادق على الاتفاقية، يؤكد السجل الرسمي لمنظمة العمل الدولية أن المملكة صادقت عليها بتاريخ 4 يونيو 2013، وأن الاتفاقية سارية المفعول بالنسبة للمغرب.
هذا المعطى ينقل النقاش من سؤال وجود الالتزام القانوني الدولي إلى سؤال أكثر حساسية: كيف يجري تنزيل هذه الالتزامات فعلياً داخل المناجم، ومن يراقب احترامها؟
اتفاقية رقم 176 تضع التزامات مرتبطة بتنظيم السلامة داخل المناجم، والوقاية من المخاطر، والاستجابة للطوارئ، والتحقيق في الحوادث الخطيرة، وتوفير وسائل الإسعاف والإنقاذ، وهو ما يجعل ظروف فاجعة مريرت وكيفية التعامل معها موضوعاً للمساءلة التقنية والقانونية، وفق ما ستثبته نتائج التحقيقات المختصة.
المسؤولية المباشرة عن الانفجار، ومدى احترام شروط السلامة، وما إذا كانت هناك اختلالات في الإنقاذ أو التفتيش أو المراقبة، تظل رهينة بما ستكشفه الأبحاث التقنية والقضائية.
البيانات الحقوقية تعرض اتهامات ومطالب بالتحقيق، لكنها لا تشكل في حد ذاتها أحكاماً تثبت مسؤولية الشركة أو أي جهة إدارية.
كما أن المواد المعتمدة في هذا المقال لا تتضمن رداً من شركة «CMT» أو من الوزارتين المعنيتين على الاتهامات الواردة في البيانات الحقوقية.
وبين ثلاثة عمال فقدوا حياتهم في عمق يصل، وفق المعطيات الحقوقية، إلى 600 متر، واتفاقية دولية للسلامة صادق عليها المغرب منذ 2013، تبقى الأسئلة معلقة فوق هذه الفاجعة: من كان يراقب شروط العمل داخل المنجم؟ وهل كانت وسائل الوقاية والإنقاذ في المستوى الذي تفرضه خطورة العمل تحت الأرض؟ ثم، بعد وفاة ثلاثة عمال، هل يكفي إعلان «تحقيق جاد» لجبر ضرر عائلات فقدت أبناءها، أم أن الجواب يبدأ أولاً بتحديد المسؤوليات ومحاسبة من يثبت تقصيره؟
