بقلم: الباز عبدالإله
فتح عبد اللطيف وهبي، وزير العدل وعضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، باب مواجهة جديدة حول مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما أعلن بوضوح أنه سيجعل ملف الأخبار الزائفة والمساس بأعراض الأشخاص ضمن أولوياته إذا عاد إلى قيادة وزارة العدل في الحكومة المقبلة.
وهبي قال، خلال حوار خاص مع «هسبريس»، إنه في حال استمراره وزيراً للعدل فسيتفرغ لملف الأخبار الزائفة على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكداً عزمه حماية أعراض المغاربة والمغربيات.
العبارة الأكثر إثارة جاءت مباشرة بعد ذلك، عندما ربط وهبي هذا التوجه بالقانون الجنائي المرتقب، وقال إن السنوات الخمس المقبلة ستكون «أسوأ» على الذين يريدون، بحسب تعبيره، الإساءة إلى «هذا البلد» بلغة مستفزة.
التصريح لا يعني أن قانوناً جديداً لتنظيم مواقع التواصل الاجتماعي دخل حيز التنفيذ، ولا أن مقتضيات نهائية في هذا الاتجاه أقرت بالفعل، بل يتعلق بتوجه سياسي وتشريعي أعلنه وهبي وربطه بشرط واضح: أن يستمر وزيراً للعدل في الحكومة المقبلة.
سياق التصريح يزيده أهمية، لأن وهبي لم يكن يتحدث عن شبكات التواصل من زاوية تقنية، وإنما كان يرد على الجدل الذي رافق تصريحاً سابقاً له بشأن ما سماهم «الفيسبوكيين».
وزير العدل أوضح أن المقصود، وفق روايته، كان جناحاً من حزب العدالة والتنمية وتيارات أخرى قال إنها استهدفته بالشتم والتكذيب رغم تقديمه، بحسب قوله، وثائق ومعطيات، رافضاً في الوقت نفسه اعتبار هؤلاء ممثلين للشعب المغربي.
وهبي ذهب أبعد من ذلك عندما أكد أنه سيلجأ إلى القضاء في مواجهة من يرى أنهم تجاوزوا حدود النقد إلى القذف والاتهام والمس بسمعته، معتبراً أن حرية التعبير لا تمنح صاحبها الحق في توجيه اتهامات إلى الأشخاص دون إثبات.
بهذا المعنى، يرسم وهبي خطاً واضحاً لرؤيته: النقد والتقييم السياسي من جهة، والاتهام والقذف والمس بالأعراض من جهة أخرى.
غير أن النقطة الأكثر حساسية تبدأ عندما تنتقل هذه الرؤية من دفاع شخصي أمام القضاء إلى مشروع تشريعي عام قد يؤثر في طريقة التعامل مع المحتوى المنشور عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وهبي تحدث صراحة عن تنظيم مواقع التواصل، خصوصاً عبر القانون الجنائي، وهو ما يحول النقاش من خلاف بين وزير ومنتقديه إلى سؤال عام يتعلق بحدود التجريم في الفضاء الرقمي.
المشروع نفسه لم يخرج خلال الولاية الحكومية المنتهية، لكن وهبي أكد أن النقاش بشأن القانون الجنائي وصل إلى مراحل متقدمة، وأن عدداً من الملفات التشريعية سيجدها وزير العدل المقبل أمامه لاستكمال مسارها.
هنا يخرج الملف من دائرة السجال بين وهبي وخصومه إلى سؤال قانوني وسياسي أوسع: أين ستقف مكافحة الأخبار الزائفة والقذف والمس بالحياة الخاصة، وأين تبدأ حماية حرية التعبير والنقد الصحفي والسياسي؟
السؤال يكتسب ثقلاً إضافياً لأن وهبي أظهر خلال الحوار أنه يتوقع مسبقاً مواجهة سياسية حول هذه المقاربة، مؤكداً استعداده لخوض النقاش داخل البرلمان بشأن الحدود الفاصلة، في نظره، بين الحرية والمسؤولية.
الملف ليس جديداً بالكامل في خطاب وزير العدل، إذ سبق له أن وضع مواقع التواصل في قلب نقاشه بشأن القضاء والمسؤولية القانونية، واعتبر في دجنبر 2024 أن «فيسبوك» أصبح من أبرز التحديات التي تواجه القضاء، متحدثاً آنذاك أيضاً عن عقوبات ضمن مشروع القانون الجنائي مرتبطة بجرائم منتشرة على شبكات التواصل.
لكن الجديد في تصريحاته الحالية هو ربط الملف بشكل مباشر باحتمال استمراره خمس سنوات أخرى على رأس وزارة العدل.
وهذا يجعل هوية وزير العدل المقبل أكثر من مجرد تفصيل في توزيع الحقائب، لأن عودة وهبي إلى المنصب ستعني، استناداً إلى كلامه نفسه، أن الأخبار الزائفة والقذف والمساس بالأعراض وتنظيم المحتوى على مواقع التواصل قد تصبح ضمن أوراشه التشريعية المباشرة.
وبين حماية الأشخاص من التشهير والقذف وضمان الحق في النقد والتعبير، ستبقى التفاصيل القانونية هي الفيصل: ما تعريف «الأخبار الزائفة»؟ وما حدود «الإساءة»؟ وما الأفعال التي ستدخل فعلياً في نطاق التجريم؟ وما الضمانات التي ستمنع تحول مكافحة القذف والتشهير إلى تضييق على النقد المشروع؟
الإجابة لن تحسمها التصريحات السياسية، وإنما الصيغة الدقيقة للنصوص القانونية إذا أحيلت على البرلمان، ثم النقاش التشريعي الذي ستخضع له.
أما رسالة وهبي في حواره الأخير فكانت واضحة: إذا عاد إلى وزارة العدل، فإن مواقع التواصل والأخبار الزائفة وحماية أعراض الأشخاص ستكون على طاولته، فيما اختصر هو بنفسه حدة المواجهة المرتقبة بالحديث عن «خمس سنوات أسوأ» على من يعتبر أنهم يريدون الإساءة إلى هذا البلد.
