بقلم: الباز عبدالإله
أعاد عبد اللطيف وهبي، وزير العدل وعضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، فتح واحد من أكثر الملفات القانونية والسياسية إثارة للجدل في المغرب، بعدما دافع عن موقفه الرافض لتجريم الإثراء غير المشروع بالصيغة التي تقوم، بحسب تقديره، على مطالبة الشخص بإثبات مصدر أمواله بدل أن تتحمل جهة الاتهام عبء إثبات الجريمة.
وهبي، خلال حواره الخاص مع «هسبريس»، رفض تقديم موقفه باعتباره تخلياً عن محاربة الفساد، وقال إن القانون الجنائي يتضمن بالفعل جرائم مرتبطة بسرقة المال العام والاختلاس والغدر وغيرها، قبل أن يطرح السؤال الذي يلخص اعتراضه على الصيغة المطروحة للإثراء غير المشروع: هل يمكن محاربة الفساد على حساب حقوق الأشخاص وقرينة البراءة؟
وزير العدل شدد على أن قرينة البراءة بالنسبة إليه خط أحمر قانوني، متسائلاً عن سبب قلب المعادلة حتى يصبح الشخص مطالباً بإثبات براءته أو تفسير مصدر ممتلكاته لمجرد الاشتباه في وجود فارق بين دخله وثروته.
هذا الموقف ليس جديداً عند وهبي، ففي حوار سابق مع «هسبريس» عند بداية ولايته الحكومية وصف الصيغة التي كانت مطروحة آنذاك بأنها تقلب عبء الإثبات، معتبراً أن إمكانية مساءلة شخص انطلاقاً من ممتلكاته ثم مطالبته بإثبات مصدرها تثير، في نظره، تعارضاً مع قرينة البراءة، وأعلن حينها البحث عن صيغة بديلة.
المبدأ الذي يستند إليه وهبي موجود فعلاً داخل المنظومة الجنائية المغربية، إذ تنص المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية على اعتبار كل متهم أو مشتبه فيه بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به، كما تقرر تفسير الشك لفائدة المتهم.
لكن النقاش لا يتوقف عند هذا الحد، لأن ملف الإثراء غير المشروع لم يختف من البرلمان رغم عدم خروجه في صيغة حكومية خلال الولاية المنتهية.
الوثائق الرسمية لمجلس النواب تظهر أن لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات كانت تدرس مقترحين منفصلين، الأول تقدم به الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية ويتعلق بالإثراء غير المشروع، والثاني تقدمت به المجموعة النيابية للعدالة والتنمية حول منع الإثراء غير المشروع.
الأحدث أن المقترحين عادا إلى جدول أعمال اللجنة يوم 23 يونيو 2026 بحضور وهبي نفسه، لكن المجلس سجل رسمياً أنه، بطلب من بعض أعضاء اللجنة، جرى تأجيل دراستهما إلى موعد لاحق.
وهذا يعني أن نهاية الولاية الحكومية لم تحسم الخلاف الأساسي: هل يحتاج المغرب إلى جريمة مستقلة تسمى «الإثراء غير المشروع»، أم أن الجرائم الموجودة حالياً وآليات التصريح بالممتلكات والتحقيق في الاختلاس والرشوة وغسل الأموال تكفي، مع تطوير وسائل الإثبات والمراقبة؟
النقاش له أيضاً بعد دولي، فالمغرب طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد منذ مصادقته عليها سنة 2007.
المادة 20 من الاتفاقية تدعو الدول، مع مراعاة دساتيرها والمبادئ الأساسية لأنظمتها القانونية، إلى النظر في تجريم الزيادة الكبيرة في أصول الموظف العمومي التي لا يستطيع تفسيرها بصورة معقولة مقارنة بدخله المشروع، وهو ما يعني أن الاتفاقية تطرح التجريم للنظر فيه ضمن القيود الدستورية الوطنية ولا تفرض نموذجاً واحداً على جميع الدول.
الأمم المتحدة نفسها وثقت الإشكال القانوني الذي يثيره هذا النوع من الجرائم، إذ سجل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن عدداً من الدول تحفظ على التجريم بسبب مخاوف مرتبطة بقرينة البراءة وبما قد يبدو قلباً لعبء الإثبات، في حين تبنت دول أخرى صيغاً قانونية للإثراء غير المشروع مع ضمانات مختلفة.
وهنا تظهر عقدة الملف التي اختصرها وهبي في حواره: وجود ثروة لا تتناسب ظاهرياً مع الدخل المشروع قد يثير الاشتباه، لكن السؤال القانوني هو من الذي يجب أن يقدم الدليل أولاً، النيابة العامة لإثبات وجود مصدر غير مشروع، أم الشخص المعني لتفسير مصدر ثروته؟
موقف وهبي يميل بوضوح إلى الخيار الأول، إذ يعتبر أن المطلوب هو إثبات الفساد والجريمة بالأدلة، وليس وضع المواطن أو المسؤول في موقع من يفترض فيه تقديم الدليل على براءته.
في المقابل، استمرار تقديم مقترحات تشريعية بشأن الإثراء غير المشروع داخل البرلمان يكشف أن النقاش السياسي لم يُحسم، وأن هناك قوى برلمانية ترى ضرورة إحداث آلية قانونية خاصة لمواجهة الارتفاع غير المبرر في ثروات من يتولون مسؤوليات عمومية.
وجود المقترحين نفسه ثابت في السجل الرسمي للبرلمان، بينما تختلف القوى السياسية حول الصيغة والضمانات المطلوبة.
الملف يرتبط كذلك بمنظومة التصريح بالممتلكات، التي ظلت محل نقاش برلماني حتى صيف 2026، حيث طُرح رسمياً سؤال بشأن تعميم التصريح بالممتلكات ورقمنته وتدقيق البيانات المصرح بها باعتبار هذه المنظومة إحدى أدوات الوقاية من الإثراء غير المشروع وتعزيز الشفافية.
لذلك فإن الخلاف الحقيقي ليس بين «محاربة الفساد» و«عدم محاربته»، بل حول الأداة الجنائية التي يمكن اعتمادها ومدى انسجامها مع قرينة البراءة وحقوق الدفاع من جهة، وقدرتها على كشف الثراء الذي لا يتناسب مع المداخيل المشروعة من جهة أخرى.
وهبي حسم موقعه من هذا الخلاف في نهاية ولايته: جرائم الفساد والاختلاس يجب أن تلاحق، لكنه يرفض، بحسب تصريحه، أن تتحول محاربة الفساد إلى قاعدة يكون فيها الشخص مطالباً أولاً بإثبات براءته.
أما ملف الإثراء غير المشروع نفسه فلم يُغلق، وآخر أثر رسمي في مجلس النواب قبل انتخابات شتنبر 2026 يظهر أن مقترحين بشأنه ظلا مطروحين أمام لجنة العدل والتشريع، قبل تأجيل دراستهما، تاركين واحداً من أكثر الأسئلة حساسية للحكومة والبرلمان الجديدين: كيف يمكن مطاردة الثروة غير المبررة دون قلب قرينة البراءة؟
