بقلم: الباز عبدالإله
فتح تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة المغربية أرشيفاً يمتد إلى ما قبل استئناف العلاقات الرسمية بين المغرب وإسرائيل في دجنبر 2020، ويوثق لقاءات جمعتها بفاعلين ووفود تضم إسرائيليين، قبل أن يظهر لاحقاً خيط آخر مرتبط بزوجها نبيل بركة ونشاطه في الحوار اليهودي الإسلامي والاستثمار.
أوضح وثيقة تعيد القصة إلى سنوات ما قبل استئناف العلاقات الرسمية تعود إلى 3 نونبر 2017، حين أعلنت اللجنة اليهودية الأمريكية «AJC» أن وفداً من برنامج القيادات الشابة «ACCESS»، يضم مشاركين من الولايات المتحدة والبرازيل وإسرائيل، أنهى زيارة إلى المغرب التقى خلالها مسؤولين حكوميين ورجال أعمال وفاعلين من المجتمع المدني.
البلاغ سمّى فاطمة الزهراء المنصوري بصورة مباشرة، بصفتها العمدة السابقة لمراكش ورئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة آنذاك، ضمن الشخصيات التي التقاها الوفد إلى جانب مسؤولين وشخصيات مغربية أخرى.
الدقة هنا ضرورية، لأن «AJC» لا تقدم المجموعة باعتبارها وفداً رسمياً للحكومة الإسرائيلية، وإنما بعثة دولية تابعة لبرنامج أمريكي تضم ضمن أعضائها مشاركين من إسرائيل. غير أن التاريخ يبقى لافتاً، لأن اللقاء يعود إلى سنة 2017، أي قبل استئناف العلاقات الرسمية المغربية الإسرائيلية بنحو ثلاث سنوات.
زيارة 2017 لم تبق حبيسة بلاغ مؤسساتي أمريكي.
الصحافية نوا أمويال نشرت في «جيروزاليم بوست» يوم 9 نونبر 2017، مع تحديث المقال في 11 من الشهر نفسه، روبورتاجاً بعنوان «العودة إلى الوطن في المغرب»، وقدمت نفسها ضمن الرحلة المرتبطة بوفد اللجنة اليهودية الأمريكية.
التغطية وضعت المنصوري ضمن أجواء لقاءات جمعت يهوداً ومسلمين في المغرب، ما يعني أن ظهور اسمها داخل هذا النوع من البرامج واللقاءات ليس وليد وصولها إلى رئاسة الحكومة سنة 2026.
لكن الأرشيف الأحدث أضاف تفاصيل أكثر مباشرة.
موقع «Ynet» الإسرائيلي نشر بعد تعيين المنصوري شهادة جاكي قدوش، رئيس الجالية اليهودية بمنطقة مراكش، الذي تحدث عن معرفة قديمة بها وبعائلتها.
قدوش قال إنه اصطحب خلال فترة توليها رئاسة مدينة مراكش «عدة وفود» إلى منزلها، وأضاف أن العلاقة كانت وثيقة إلى درجة وصفهم بأنهم كانوا من أهل البيت.
غير أن شهادته لا تحدد طبيعة هذه الوفود ولا جنسياتها، ولذلك لا يمكن تقديمها باعتبارها وفوداً إسرائيلية دون دليل إضافي.
الشهادة نفسها تتضمن واقعة أخرى، إذ قال رئيس الجالية اليهودية إن المنصوري حضرت قبل سنوات إلى كنيس بمراكش بمناسبة يوم الغفران «كيبور»، ووقفت في القسم المخصص للنساء، وروى أنها طلبت منه ألا ينساها من الدعاء. وتبقى هذه التفاصيل منسوبة إلى قدوش كما نقلتها «Ynet»، وليست بياناً صادراً عن المنصوري نفسها.
أما الشهادة الأكثر مباشرة فجاءت في فاتح أكتوبر 2026.
موقع «JNS» الإسرائيلي نشر مقال رأي للحاخام والباحث دورون دانينو، الذي يعرف نفسه مستشاراً بمعهد هربرت كيلمان لتحويل النزاعات الدولية وباحثاً ومحاضراً في يهود المغرب بجامعة بار إيلان.
دانينو قال إنه سبق أن التقى شخصياً فاطمة الزهراء المنصوري في مكتبها بمراكش.
وبحسب روايته، عاد إلى المغرب ضمن ما وصفه بـ«وفد إسرائيلي»، وعندما وصل إلى مراكش أُبلغ بأن المنصوري ترغب في لقائه، قبل أن يجتمع بها في مكتبها في لقاء استمر، وفق شهادته، نحو نصف ساعة.
دانينو نسب إليها كذلك معرفة بأسماء قيادات الجالية اليهودية في مراكش، وقال إنها تحدثت أمامه عن زياراتها إلى الكنس وصلاتها بأفراد من الجالية، وعن مساهمتها في جهود مرتبطة بإعادة تأهيل الملاح وبعض الكنس المتضررة.
غير أن المقال نفسه يتضمن خللاً زمنياً ينبغي أخذه بعين الاعتبار.
دانينو يصف زلزال شتنبر 2023، في مقال منشور يوم فاتح أكتوبر 2026، بأنه وقع «قبل أربع سنوات»، ثم يقول إنه عاد إلى المغرب بعد نحو سنة في إطار وفد إسرائيلي.
لذلك يمكن توثيق روايته عن حصول اللقاء باعتبارها شهادة مباشرة منه، لكن يصعب تثبيت تاريخ اللقاء بدقة اعتماداً على مقاله وحده.
هنا يظهر نبيل بركة، زوج المنصوري، داخل الخيط نفسه.
دانينو يقدمه باعتباره شخصية فاعلة في الوسط الصوفي المغربي ومؤسس منتدى «ELI Morocco»، ثم يقول إنه يعمل منذ سنوات على تعزيز الحوار بين اليهود والمسلمين، ويضيف أنه ينشط كذلك في الربط بين رجال أعمال من إسرائيل والمغرب.
هذه النقطة تبقى شهادة من صاحب المقال، ولا يقدم «JNS» أسماء رجال الأعمال المعنيين أو الشركات أو العقود أو قيم الاستثمارات، وبالتالي لا توجد في الوثيقة معطيات تسمح بإثبات مصالح تجارية شخصية للمنصوري أو لزوجها مع جهات إسرائيلية.
لكن الأرشيف العلني لنبيل بركة يقدم مؤشرات مستقلة على نشاطه في هذا المجال.
سنة 2022، نقل موقع «Atalayar» عنه موقفاً واضحاً من اتفاقات أبراهام، حين ربطها بالتسامح والتعايش بين الأديان، واعتبر انضمام المغرب إليها استمراراً وانسجاماً مع العلاقة التاريخية التي تجمع المملكة بالجالية اليهودية.
الموقف مهم زمنياً، لأنه سبق وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة بسنوات، ويعني أن انفتاح نبيل بركة على الحوار اليهودي الإسلامي واتفاقات أبراهام ليس نشاطاً ظهر بعد تعيين زوجته.
الخيط أخذ بعد ذلك بعداً اقتصادياً أوضح.
الموقع الرسمي لـ«ELI Morocco Forum» يقدم نبيل بركة باعتباره مؤسس ومنظم نسخة 2026، ويعرف المنتدى باعتباره منصة «B2B» تجمع رواد الأعمال والمستثمرين والمؤسسات العمومية وأصواتاً دولية حول فرص استثمارية عملية، في قطاعات تشمل البنية التحتية والطاقة والسياحة والتمويل والصناعة والموانئ، إلى جانب «حوار الحضارات».
الموقع الرسمي يدرج كذلك أسماء مسؤولين ووزراء وشخصيات دولية ضمن المتدخلين والضيوف، ويقدم المنتدى بوصفه مساحة تجمع بين الاستثمار والقيادة والعلاقات الدولية، وهو ما يجعل نشاط بركة يتجاوز مجرد اللقاءات الدينية أو الثقافية إلى فضاء ذي بعد اقتصادي واضح.
وعند وضع هذه القطع جنباً إلى جنب، لا تعود القصة مقتصرة على نشاط الزوج وحده.
اسم فاطمة الزهراء المنصوري نفسه يظهر منذ 2017 في أرشيف لقاء مع بعثة تضم مشاركين إسرائيليين، ثم تأتي لاحقاً شهادة رئيس الجالية اليهودية بمراكش عن استقبال وفود في منزلها وحضورها إلى الكنيس، قبل أن يقول باحث إسرائيلي إنه التقاها شخصياً في مكتبها خلال زيارة قام بها ضمن وفد إسرائيلي.
وبجانب هذا المسار يظهر زوجها نبيل بركة، الذي تحدث علناً عن اتفاقات أبراهام، وأسس لاحقاً منتدى يجمع الاستثمار بالحوار الدولي، قبل أن تنسب إليه شهادة إسرائيلية عملاً على التقريب بين رجال أعمال مغاربة وإسرائيليين.
هذه المعطيات لا تثبت أن المنصوري زارت إسرائيل، ولا أن زوجها زارها، كما لا تثبت وجود صفقات تجارية أو مصالح مالية إسرائيلية شخصية لأي منهما.
ولا يسمح نشاط نبيل بركة بتحويل مواقفه تلقائياً إلى مواقف سياسية للمنصوري، وهو ما يقر به دانينو نفسه عندما يقول إن صلة بركة بها لا تشكل، بمفردها، دليلاً حاسماً على موقف سياسي معين تجاه إسرائيل.
لكن الأرشيف يرسم خطاً زمنياً لا يمكن تجاهله: لقاء موثق للمنصوري سنة 2017 ببعثة تضم إسرائيليين، وشهادات لاحقة عن علاقاتها بالجالية اليهودية ولقائها بوفد إسرائيلي، ثم زوج تحدث علناً عن اتفاقات أبراهام وأسس منصة تجمع الحوار بالاستثمار، قبل أن تنسب إليه شهادة إسرائيلية العمل على ربط رجال أعمال من البلدين.
ما وراء ذلك يحتاج إلى وثائق إضافية.
أما هذا الجزء من القصة، فموجود في الأرشيف.
