بقلم: الباز عبدالإله
تعيد الحسابات النصف السنوية لمجموعة المكتب الوطني للسكك الحديدية فتح سؤال الكلفة المالية لواحد من أكبر برامج التوسع في البنية التحتية بالمغرب، بعدما أظهرت الأرقام ارتفاع رقم المعاملات بالتوازي مع اتساع الخسائر، وتراجع الأداء التشغيلي، وزيادة المديونية، في وقت تدخل فيه مشاريع السكك الحديدية مرحلة استثمار مكثفة استعداداً لأفق 2030.
البيانات المنشورة لدى الهيئة المغربية لسوق الرساميل بتاريخ 30 شتنبر 2026 تكشف أن المجموعة سجلت خسارة صافية موحدة بلغت 846 مليون درهم خلال النصف الأول من السنة، مقابل 673 مليون درهم في الفترة نفسها من 2025، أي بزيادة تقارب 25.7 في المائة.
اللافت أن اتساع الخسارة لم يحدث في سياق انكماش النشاط.
فرقم المعاملات الموحد ارتفع من 2.962 مليار درهم إلى 3.139 مليارات، أي بنحو 6 في المائة، بينما سلكت نتيجة الاستغلال الاتجاه المعاكس، منتقلة من ربح تشغيلي يقارب 122.7 مليون درهم إلى خسارة بنحو 200 مليون درهم، أي ما يعادل 20 مليار سنتيم.
المفارقة واضحة: المبيعات ارتفعت، لكن كلفة النشاط ارتفعت بوتيرة أسرع، إلى درجة أن نمو الإيرادات لم يمنع انقلاب النتيجة التشغيلية من الربح إلى الخسارة.
فمصاريف الاستغلال الموحدة صعدت من 2.987 مليار درهم إلى 3.428 مليارات خلال سنة، بزيادة تقارب 441 مليون درهم.
وداخل هذه الكلفة، ارتفعت تكاليف العاملين من 727 إلى 907 ملايين درهم، فيما صعدت التكاليف الخارجية من 468 إلى 617 مليون درهم.
الأرقام تجعل سؤال «أين تذهب المداخيل؟» سؤالاً عن بنية الكلفة أكثر منه عن حجم المبيعات: أي بنود تمتص الزيادة في رقم المعاملات؟ وهل يتعلق الأمر بضغط مرحلي مرتبط بدورة الاستثمار، أم بارتفاع مستمر في كلفة تشغيل شبكة تتجه إلى توسع غير مسبوق؟
المكتب يربط جانباً من ارتفاع التكاليف بدورة الاستثمار الجارية وتعزيز القدرات استعداداً لدخول المشاريع الكبرى الخدمة في أفق 2030.
وتشير حساباته إلى أن EBITDA بلغ 842 مليون درهم، متراجعاً بنحو 13 في المائة، بينما بلغت الاستثمارات الرأسمالية خلال النصف الأول وحده 4.8 مليارات درهم.
غير أن واحداً من أكثر الأرقام لفتاً للانتباه يوجد في الميزانية.
فإعانات الاستثمار المسجلة في الحسابات الموحدة ارتفعت من نحو 12.162 مليار درهم نهاية دجنبر 2025 إلى 27.139 ملياراً نهاية يونيو 2026، أي بزيادة تناهز 14.98 مليار درهم خلال ستة أشهر فقط.
ويظهر في جدول التدفقات النقدية الموحدة كذلك مبلغ قدره 15.514 مليار درهم تحت بند «مخصصات رأسمالية من الدولة أو زيادة في رأس المال».
والرقمان واردان في بندين محاسبيين مختلفين، لذلك لا يجوز جمعهما أو اعتبارهما بالضرورة تمويلين منفصلين من دون تفاصيل إضافية توضح طبيعة كل منهما وتركيبته المحاسبية.
هذه القفزة تجعل سؤال التمويل مركزياً: ما الطبيعة الدقيقة للمبالغ التي دخلت إلى هيكلة تمويل المجموعة خلال النصف الأول؟ وما الذي يمثل منها مساهمة للدولة؟ وما الذي يرتبط مباشرة بتمويل البنية التحتية؟ وما حصة الموارد الذاتية والاقتراض في تمويل البرنامج الاستثماري؟
المديونية بدورها واصلت الارتفاع، فقد بلغت الديون المالية الموحدة 49.065 مليار درهم في نهاية يونيو، مقابل 45.788 ملياراً نهاية دجنبر 2025، أي بزيادة تناهز 3.277 مليارات درهم خلال ستة أشهر.
ولا يعني ذلك أن 49 مليار درهم تمثل مديونية صافية بهذا الحجم.
فالحسابات تظهر، في المقابل، امتلاك المجموعة 15.826 مليار درهم من سندات وقيم التوظيف، مقابل 3.663 مليارات نهاية 2025، إضافة إلى خزينة نشطة بقيمة 547 مليون درهم.
لذلك ينبغي التمييز بين إجمالي الديون المالية والوضعية المالية الصافية بعد احتساب الأصول المالية والسيولة.
المكتب لجأ كذلك خلال الفترة إلى السوق المالية، معلناً إتمام إصدار ثالث من السندات الخضراء بقيمة ملياري درهم، مع تسجيل طلب تجاوز خمس مرات المبلغ المعروض، وفق المعطيات التي نشرها المكتب.
أما على مستوى الحسابات الاجتماعية للمكتب منفرداً، فقد بلغت الخسارة الصافية 716 مليون درهم، مقابل 641 مليوناً قبل سنة.
غير أن ONCF يقدم قراءة أخرى للأرقام، إذ يشير إلى أن استبعاد أعباء رأسمال البنية التحتية كان سيحوّل النتيجة إلى ربح بقيمة 358 مليون درهم.
هذا المعطى مهم لفهم طبيعة نموذج السكك الحديدية، لأن جزءاً كبيراً من الأصول التي يمولها المكتب عبارة عن بنية تحتية ثقيلة وطويلة العمر، فيما تظهر كلفتها المحاسبية والتمويلية قبل أن تكتمل دورة استغلال المشاريع الجديدة.
لكن هذا التفسير لا يلغي سؤال الاستدامة المالية.
فالخسارة المحاسبية ليست مبلغاً «اختفى»، كما أن ارتفاع الدين لا يعني تلقائياً وجود أزمة مالية، ولا يصح جمع الخسائر والديون وتقديم الناتج باعتباره أموالاً ضائعة. الاختبار الحقيقي يكمن في قدرة الاستثمارات على توليد تدفقات مستقبلية تكفي لتغطية تكاليف التشغيل وخدمة الدين، وفي حجم المساهمة العمومية التي سيحتاج إليها هذا النموذج خلال السنوات المقبلة.
وبعدما تجاوز إجمالي الديون المالية الموحدة 49 مليار درهم، وارتفع رصيد إعانات الاستثمار المسجل في الميزانية إلى 27.1 ملياراً، وانتقلت نتيجة الاستغلال من الربح إلى الخسارة رغم نمو المبيعات، تصبح الأسئلة أكثر تحديداً: كم ستبلغ خدمة الدين سنوياً إلى غاية 2030؟ ما الحصة النهائية للدولة في تمويل البرنامج الاستثماري؟ ما حجم التمويل الذي سيأتي عبر الاقتراض؟ وما مستوى الإيرادات والتدفقات النقدية الذي يفترضه المكتب بعد دخول المشاريع الجديدة الخدمة؟
نشر هذه الفرضيات، إلى جانب جدول زمني لتطور المديونية وكلفة فوائدها والعائد المتوقع من المشاريع الجديدة، من شأنه أن يسمح بالانتقال من خطاب «الاستثمار من أجل 2030» إلى قياس مالي أوضح يجيب عن السؤال الأساسي: إذا كانت المبيعات ترتفع اليوم بينما تتراجع النتيجة التشغيلية، فمتى يبدأ هذا التوسع في تمويل نفسه؟
