بقلم: الباز عبدالإله
أعاد تقرير أنشطة مديرية الميزانية لسنة 2025 فتح ملف صعوبات صرف التمويلات المرتبطة بمشاريع يمولها البنك الإفريقي للتنمية بالمغرب، بعدما أظهر، استناداً إلى وضعية المحفظة خلال ماي 2025، تصنيف ما يعادل نحو سبعة مشاريع ضمن خانة «الأحمر»، في مؤشر ارتبط أساساً بتأخر أولى عمليات الصرف أو بطء وتيرة صرف التمويلات.
التقرير، الذي أدرجته وزارة الاقتصاد والمالية ضمن منشوراتها بتاريخ 2 أكتوبر 2026، يعرض معطيات تعود إلى السنة الماضية، ما يجعل التمييز بين تاريخ نشر الوثيقة وتاريخ الوضعيات المالية التي تتضمنها ضرورياً لفهم الأرقام في سياقها الصحيح.
وتوضح معطيات المحفظة، كما كانت في ماي 2025، أنها تضم 32 مشروعاً، بإجمالي التزامات يناهز 29.4 مليار درهم، وفق تقرير مديرية الميزانية، وبنسبة صرف إجمالية في حدود 54%.
وكانت نسبة المشاريع موضوع الإنذار أو «épinglés» تبلغ حوالي 21% من إجمالي المحفظة، أي ما يعادل حسابياً نحو سبعة مشاريع من أصل 32.
ولا تعني نسبة صرف تبلغ 54% أن النسبة المتبقية من المشاريع متأخرة أو متعثرة، كما لا تعكس بالضرورة نسبة تقدم الأشغال، لأن وتيرة صرف التمويلات ترتبط بعمر كل عملية، وبرنامجها الزمني، وشروط السحب الخاصة بكل قرض أو منحة.
المعطى الأكثر دلالة يبقى تصنيف جزء من العمليات باللون الأحمر، وهي إشارة تستوجب متابعة أسبابها ومسار معالجتها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتمويلات تنموية يُفترض أن تنتقل من مرحلة الالتزام المالي إلى التنفيذ الفعلي وفق آجال وبرامج محددة.
وتشير الوثائق إلى أن أسباب هذه التصنيفات لم تكن موحدة، لكنها ارتبطت بدرجة كبيرة بتأخر أول صرف أو بطء عمليات الصرف، إلى جانب إشكالات أخرى تتعلق بالصفقات العمومية، وجودة إعداد بعض المشاريع، والضمانات البيئية والاجتماعية، وآليات التتبع والتقييم.
وفي المقابل، لا يسمح هذا التصنيف بوصف المشاريع المعنية بـ«الفاشلة» أو «المتعثرة» بالمعنى التقني الذي يعتمده البنك الإفريقي للتنمية، إذ أكدت معطيات البنك عدم وجود عمليات ضمن فئة «المشاريع المشكلة» أو المشاريع «المحتمل أن تصبح مشكلة».
وتكتسب القضية بعداً إضافياً عند مقارنة وضعية ماي بمعطيات البنك الإفريقي للتنمية المحينة إلى 2 شتنبر 2025.
فبحلول ذلك التاريخ، اتسعت المحفظة النشيطة بالمغرب إلى 36 مشروعاً، بينما انخفض عدد المشاريع المصنفة بالأحمر إلى ستة، تمثل سبع إشارات حمراء على مستوى أدوات التمويل.
وبلغت قيمة المشاريع الستة، بحسب معطيات البنك، نحو 447 مليون وحدة حساب، أي ما يقارب 16% من إجمالي محفظة وصلت إلى حوالي 2.75 مليار وحدة حساب.
هذا التطور يفتح سؤالاً يتجاوز مجرد تسجيل وجود إنذارات: كيف انتقلت المحفظة من نحو سبعة مشاريع مصنفة بالأحمر في ماي إلى ستة مشاريع في شتنبر؟ وأي مشروع خرج من هذه الخانة؟ وما الإجراءات التي سمحت بتصحيح وضعيته؟
كما تكشف المعطيات المحينة أن سبع أدوات تمويل كانت مؤهلة للإلغاء لأسباب مختلفة، من بينها تأخر أول عملية صرف في بعض التمويلات، وتأخر توقيع أو تفعيل منح، فضلاً عن بطء عمليات الصرف في بعض المشاريع، خصوصاً في قطاع الطاقة.
وهنا ينبغي التمييز بين «ستة مشاريع حمراء» و«سبع أدوات تمويل»، لأن المشروع الواحد قد يرتبط بأكثر من أداة تمويل، كما أن إدراج أداة ضمن وضعية تجعلها مؤهلة للإلغاء لا يعني تلقائياً اتخاذ قرار بإلغائها أو إلغاء المشروع بكامله.
وكانت مراجعة لأداء المحفظة قد أُجريت بين 19 و23 ماي 2025، بتعاون بين البنك الإفريقي للتنمية والسلطات المغربية، مع وضع إجراءات لمعالجة الصعوبات المرتبطة بالصرف والصفقات وجودة الإعداد والضمانات البيئية والاجتماعية والتتبع والتقييم.
وتظهر المعطيات اللاحقة أن نسبة العمليات موضوع الإنذار تراجعت مقارنة بمستويات سابقة، غير أن الوثائق المنشورة تترك أسئلة تفصيلية مفتوحة حول هوية كل مشروع، وطبيعة العائق الذي واجهه، وموقع التأخير داخل سلسلة التنفيذ، سواء لدى الجهة المغربية المنفذة، أو عند استكمال شروط ووثائق الصرف، أو ضمن مساطر البنك نفسه.
وبعد أكثر من سنة على مراجعة ماي 2025، يصبح السؤال الأهم هو ما الذي تحقق فعلياً منذ صدور تلك الإنذارات.
فإذا كانت المحفظة قد انتقلت من نحو سبعة مشاريع حمراء في ماي إلى ستة في شتنبر، فمن المشروع الذي تمت تسوية وضعيته؟ وما مصير المشاريع الستة الأخرى؟ وهل خرجت بدورها من التصنيف الأحمر خلال 2026، أم أن بعض صعوبات الصرف ما تزال قائمة؟
الأرقام لا تسمح بالحديث عن فشل شامل للمحفظة، لكنها تبرر سؤالاً واضحاً: حين تُرصد إنذارات في مشاريع ممولة دولياً، وتوضع خطط لمعالجتها، أين توجد الحصيلة المحينة التي تشرح للرأي العام ماذا حدث بعد الإنذار، وما الاختلالات التي جرى تجاوزها، وما الصعوبات التي ما تزال قائمة؟
