تَعِدُ الدولة المغربية باقتصاد يقوده الذكاء الاصطناعي، وإدارة أكثر رقمنة، وبإضافة 100 مليار درهم إلى الناتج الداخلي الخام بحلول 2030، وإحداث 50 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، وتكوين واعتماد 200 ألف موهبة وكفاءة.
لكن تقريراً جديداً للبنك الدولي يفتح، من الجهة المقابلة، سؤالاً أكثر إحراجاً: هل جرى إعداد الإدارة المغربية نفسها للتحول الذي تريد الدولة تسريعه؟
الرسم رقم 2.9 الوارد في تقرير البنك الدولي «من الانقسام إلى الفرصة: الذكاء الاصطناعي والوظائف والنمو»، الذي أُعلن عنه اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026، يضع المغرب أمام نتيجة لافتة: أعلى فارق مقدّر بين القطاعين العام والخاص في مؤشر تعرض المهن للذكاء الاصطناعي ضمن الاقتصادات السبعة المشمولة بالمقارنة، بحسب قراءة الرسم، بعد ضبط مجموعة من خصائص العاملين.
المعطى لا يعني أن الموظفين العموميين المغاربة سيُستبدلون غداً بالآلات، ولا أن الإدارات تستعد لتسريح موظفيها، لكنه يطرح سؤالاً لا يقل ثقلاً: إذا كانت الوظائف العمومية أكثر تركيزاً في المهن المكتبية والإدارية والمتخصصة والمعرفية التي يستطيع الذكاء الاصطناعي تغيير طريقة إنجاز جزء كبير من مهامها، فأين توجد خريطة الحكومة لإعادة تأهيل موظفيها لهذا التحول؟
البنك الدولي يفسر ارتفاع التعرض داخل الحكومات والمؤسسات العمومية بالحضور الواسع للوظائف الإدارية والمكتبية ومهن تكنولوجيا المعلومات والاتصال والمهن المتخصصة، أي الوظائف التي تعتمد بدرجة كبيرة على معالجة المعلومات والوثائق والبيانات والتحليل وإنتاج المحتوى والخدمات المعرفية.
وهنا تبدأ الأسئلة التي لا تكفي للإجابة عنها شعارات «الإدارة الرقمية».
كم وظيفة داخل الوزارات والمؤسسات العمومية دُرست فعلياً لمعرفة المهام التي يمكن للذكاء الاصطناعي اختصارها أو تغييرها؟
كم موظفاً يحتاج إلى إعادة تكوين؟
ما القطاعات الحكومية التي ستعرف أكبر تحول في توزيع المهام؟
هل ستستمر الدولة في التوظيف بنفس البنية المهنية، أم ستغير مواصفات المباريات والتخصصات المطلوبة؟
وأين توجد، أمام الرأي العام، دراسة مغربية محينة تربط بين استراتيجية الذكاء الاصطناعي وسياسة التوظيف العمومي؟
هذه الأسئلة تكتسب وزناً إضافياً لأن المغرب أعلن، يوم 8 شتنبر الماضي، الانتقال بخارطة «المغرب للذكاء الاصطناعي 2030» إلى مرحلة التنفيذ، محدداً ثلاثة أهداف ثقيلة: توليد 100 مليار درهم من القيمة المضافة للناتج الداخلي الخام، وإحداث 50 ألف منصب مباشر وغير مباشر، وتكوين واعتماد 200 ألف كفاءة بحلول 2030.
كما قدمت الوزارة «Idarati AI» باعتبارها أداة موجهة لمساعدة المرتفقين في المساطر والخدمات الإدارية.
المفارقة أن الدولة تستعد لإدخال الذكاء الاصطناعي أعمق داخل الإدارة، بينما المقارنة الدولية الجديدة تشير إلى أن الإدارة نفسها توجد في قلب الفئات المهنية الأكثر قابلية لتغير طبيعة مهامها.
الأكثر إثارة للأسئلة أن البيانات المغربية التي بُني عليها تحليل البنك الدولي تعود إلى سنة 2018.
ثماني سنوات تفصل إذن بين بنية سوق العمل التي دخلت النموذج الإحصائي وبين المغرب الذي يتحدث سنة 2026 عن «AI Made in Morocco» وسيادة رقمية وإدارة ذكية.
هذه النقطة لا تسمح بالقول إن الدولة لا تتوفر على بيانات أحدث، ولا ينبغي اختراع هذا الاستنتاج. لكنها تسمح بسؤال مشروع وأقسى بكثير: لماذا تصل مقارنة دولية بهذا الحجم إلى تحليل المغرب اعتماداً على بيانات تعود إلى 2018؟ وأين توجد قواعد البيانات الحديثة والقابلة للاستغلال التي تسمح بقياس أثر الذكاء الاصطناعي على الوظيفة العمومية المغربية سنة 2026 بدل العودة ثماني سنوات إلى الوراء؟
المشكلة تصبح أكثر وضوحاً عندما يكشف الرسم نفسه، وفق المعطيات الواردة في التقرير، أن المغرب يسجل أيضاً أعلى فارق مقدّر بين العاملين في المناطق الحضرية والقروية ضمن الاقتصادات السبعة المقارنة.
المسألة هنا لم تعد مجرد روبوت سيعوض موظفاً أو برنامج سيكتب وثيقة بدل موظف آخر.
القضية تصبح سؤال عدالة مجالية أيضاً.
الوظائف المعرفية والإدارية والمهنية الأكثر قابلية للاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي تتركز أساساً في المدن، بينما تكون سوق الشغل القروية أكثر ارتباطاً بأنشطة ومهن مختلفة.
كما يربط البنك الدولي ارتفاع التعرض في المناطق الحضرية بتركيز المهن المعرفية والإدارية داخل المدن.
وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي قد لا يصنع فقط رابحين وخاسرين بين المهن، بل يمكن، إذا غابت سياسات المهارات والبنية التحتية، أن يعيد إنتاج الفجوات القائمة بين المركز والهامش وبين الوظائف المعرفية وغيرها.
البنك الدولي نفسه يحذر من اختزال «التعرض» في فقدان الوظائف.
الإعلان الرسمي الصادر الثلاثاء 6 أكتوبر يقدر أن أقل من 10 في المائة من وظائف المنطقة تواجه خطر الأتمتة على المدى القريب، بينما تمتلك ما بين 13 و20 في المائة من الوظائف إمكانات كبيرة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي في رفع الإنتاجية.
والبنك واضح في خلاصته: الأثر الأكبر المرجح في المنطقة سيأتي من تعزيز عمل الإنسان ورفع إنتاجيته أكثر مما سيأتي من إلغاء الوظائف.
وهذا تحديداً ما يجعل الملف أكثر إحراجاً للحكومة لا أقل.
إذا كان الذكاء الاصطناعي فرصة لرفع إنتاجية الموظف، فكم وفرت الدولة لتكوينه؟
إذا كانت الإدارة من أكثر البيئات قابلية لتغيير طريقة العمل بهذه الأدوات، فأين برنامج التحول المهني داخل الوزارات؟
إذا كانت الحكومة تراهن على 200 ألف كفاءة في الذكاء الاصطناعي، فكم موظفاً عمومياً يوجد ضمن هذا الهدف؟
وإذا كانت «Idarati AI» مجرد بداية لدخول أدوات أكثر تقدماً إلى الإدارة، فمن يدرس آثارها مسبقاً على المساطر والموارد البشرية وتقسيم العمل والمسؤولية القانونية عن القرارات التي ستساعد الخوارزميات في إعدادها؟
الذكاء الاصطناعي لا يطرق أبواب الإدارة المغربية من المستقبل؛ الدولة نفسها فتحت له الباب ووضعت 2030 موعداً للنتائج.
لكن التحول الرقمي لا يقاس بعدد المنصات ولا بعدد الاتفاقيات ولا بعدد المرات التي ترد فيها كلمة «الذكاء الاصطناعي» في العروض الحكومية.
الاختبار الحقيقي أبسط وأصعب: هل تعرف الدولة اليوم، بالأرقام، أي وظائف داخل إدارتها ستتغير، وكيف ستتغير، ومن ستعيد تكوينه، وما المهارات التي ستحتاجها بعد أربع سنوات؟
تقرير البنك الدولي لا يقول إن الموظف المغربي سيصبح بلا عمل.
لكنه يضع أمام الحكومة سؤالاً ربما يكون أشد إحراجاً:
كيف تريدون بناء إدارة الذكاء الاصطناعي لسنة 2030، بينما لا يزال العالم يقرأ بنية وظائف المغرب من بيانات تعود إلى 2018؟
