بقلم: الباز عبدالإله
أطلق الصحافي الاستقصائي الإسباني خوسي باوتيستا تصريحات شديدة بشأن بنية السلطة في المغرب، واضعاً عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، والمستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، في صدارة خريطة النفوذ التي رسمها للمملكة، خلال مقابلة أجراها معه الصحافي دافيد فرنانديز ونشرها موقع «إنفوباي» الإسباني، الأحد 4 أكتوبر 2026.
باوتيستا، الذي شارك في تحقيقات دولية أنجزتها شبكة «Forbidden Stories» حول أجهزة الاستخبارات المغربية، لم يكتف بالحديث عن المؤسسات الأمنية، بل قدم قراءة كاملة لتوزيع القوة داخل الدولة المغربية، قائلاً إن «هناك ثلاث مجموعات كبرى»، قبل أن يضع «المخزن»، وفق توصيفه، في الدائرة الأولى، والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني في الثانية، والحكومة في الدائرة الثالثة.
وبحسب الخريطة التي يرسمها باوتيستا، فإن فؤاد عالي الهمة يمثل، وفق تعبيره، الشخصية التي «تقود» دائرة المخزن، فيما ذهب أبعد في توصيف موقع عبد اللطيف الحموشي، معتبراً إياه «ثاني شخص يملك أكبر قدر من السلطة في البلاد». وهو ترتيب يعكس تقييم الصحافي الإسباني لموازين النفوذ داخل المغرب، ولا يستند في المقابلة إلى مؤشر مستقل أو معيار مؤسساتي لقياس حجم السلطة التي يمارسها كل طرف.
أما الحكومة، فجاء توصيف باوتيستا لها أكثر حدة، إذ وضعها في المرتبة الثالثة ضمن خريطته لمراكز القوة، ووصف دورها بأنه «تجميلي» وبأنه لا ينطوي على «سلطة حقيقية»، قبل أن يقول إن «السلطة الحقيقية في المغرب يمارسها المخزن». وهي أحكام سياسية صادرة عن صاحب المقابلة، ولا تقدم المادة المنشورة دراسة مؤسساتية أو معياراً مستقلاً يسمح بقياس حجم السلطة الفعلية التي تمارسها كل مؤسسة.
وانتقل باوتيستا بعد ذلك إلى تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، معتبراً أن اختيار امرأة لرئاسة الجهاز التنفيذي يحمل، وفق قراءته، بعداً مرتبطاً بصورة المغرب في الخارج وإظهار وجه أكثر حداثة للدولة، خصوصاً بعد تداعيات أزمة سبتة.
غير أن السياق الدستوري للتعيين يفرض هنا توضيحاً أساسياً.
فالبلاغ الرسمي الصادر يوم 29 شتنبر 2026 أكد أن الملك محمد السادس عيّن فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة بمقتضى الفصل 47 من الدستور، بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية.
وبالتالي فإن تقديم باوتيستا للتعيين بوصفه قراراً ذا غاية «تجميلية» يظل تفسيراً سياسياً صادراً عنه، وليس الوصف القانوني أو الدستوري لعملية التعيين.
الأكثر حساسية في المقابلة جاء عند انتقال الصحافي الإسباني إلى أزمة سبتة في نهاية يوليوز الماضي.
فقد ربط ما حدث بما وصفه بصراع خفي بين أجهزة الاستخبارات المغربية والإسبانية، واعتبر أن الرباط أرادت، حسب روايته، توجيه رسالة إلى الجانب الإسباني قبل أن يخرج الوضع عن السيطرة.
وفي هذا السياق، وضع باوتيستا اسمَي فؤاد عالي الهمة وعبد اللطيف الحموشي في قلب تفسيره للأزمة، ونسب إليهما دوراً مركزياً في الأحداث.
كما ذهب أبعد من ذلك عندما ربط الأزمة بتحقيقات «Forbidden Stories» التي شارك فيها، معتبراً أن الجانب المغربي كان يعتقد أن مصادر سابقة من أجهزة الاستخبارات المغربية حصل عليها الصحافيون كانت تحظى بحماية أو مساعدة إسبانية.
هذه النقطة تحديداً تحتاج إلى الفصل الصارم بين التصريح والدليل.
فالمقابلة توثق أن باوتيستا قال ذلك بالفعل، لكنها لا تعرض وثائق أو معطيات مستقلة تثبت أن الهمة أو الحموشي أعطيا تعليمات مرتبطة بأزمة سبتة، ولا تقدم دليلاً قابلاً للفحص يثبت السلسلة التنفيذية التي ينسبها إليهما.
لذلك يبقى الحديث هنا اتهاماً وتحليلاً صادراً عن الصحافي الإسباني، لا واقعة محسومة.
وسبق للجانب المغربي أن رفض اتهامات بضلوع السلطات المغربية في أزمة سبتة، بينما نقلت «إنفوباي» نفسها في شتنبر موقفاً مغربياً يتساءل عن أساس توجيه اتهامات إلى المملكة من دون بيانات أو وقائع أو تقارير تثبت تورط السلطات المغربية.
المقابلة حملت أيضاً جزءاً بالغ الحساسية يتعلق بمستقبل الحموشي.
باوتيستا قال صراحة: «تصلني شائعات، وليس لدي تأكيد»، قبل أن يتحدث عن تداول فرضية انتقال مدير قطب الأمن والاستخبارات الداخلية إلى وزارة الداخلية على خلفية أزمة سبتة.
وهذا التحفظ الذي وضعه صاحب التصريح نفسه حاسم صحافياً: الحديث عن انتقال الحموشي إلى وزارة الداخلية ليس خبراً مؤكداً، ولا معلومة نسبها باوتيستا إلى وثيقة أو قرار رسمي، بل إشاعة قال بوضوح إنه لم يتمكن من تأكيدها.
وتكتسب المقابلة أهميتها، في المقابل، من أنها لا تتناول الحموشي باعتباره مجرد مسؤول أمني، بل تضعه داخل تصور أشمل لموازين القوة في المغرب، إلى جانب الهمة والحكومة والمؤسسة الملكية، وتفتح بذلك نقاشاً يتجاوز الملفات الأمنية إلى سؤال أوسع: أين توجد السلطة الفعلية، وكيف تنظر بعض دوائر الصحافة الاستقصائية الأوروبية إلى العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والمؤسسات غير المنتخبة داخل النظام السياسي المغربي؟
لكن قوة العبارات لا تعني قوة الإثبات، فبينما يمكن توثيق ما قاله باوتيستا بدقة، تبقى مسؤولية الصحافة هي التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة: الوقائع المعلنة رسمياً، والتحليل الذي يقدمه الصحافي، والاتهامات المتعلقة بأحداث سبتة أو بمراكز القرار التي تحتاج إلى أدلة مستقلة قبل تحويلها من تصريحات إلى حقائق.
وبموازاة هذه القراءة، قدم الأكاديمي المغربي عبد الحق عزوزي، في مقال نشرته «الشرق الأوسط» في اليوم نفسه، قراءة مختلفة تماماً لتعيين المنصوري، واضعاً إياه ضمن المسار الدستوري الذي أعقب الانتخابات وضمن تطور حضور المرأة في المسؤولية السياسية.
وهو ما يكشف اتساع المسافة بين قراءتين للحدث نفسه: قراءة ترى التعيين أداة لتحسين الصورة، وأخرى تعتبره محطة دستورية وسياسية غير مسبوقة.
هكذا لا تكمن أهمية مقابلة «إنفوباي» في كونها أثبتت من «يحكم المغرب» أو حسمت مسؤولية شخصيات بعينها عن أزمة سبتة، بل في أنها وثقت، باسم صحافي شارك في تحقيق دولي بشأن الاستخبارات المغربية، قراءة شديدة الحساسية لبنية القوة داخل المملكة، وجعلت فؤاد عالي الهمة وعبد اللطيف الحموشي في صلب هذه القراءة لمراكز القوة، بينما تركت عدداً من أخطر استنتاجاتها في خانة الادعاء الذي ينتظر الدليل.
