بقلم: الباز عبدالإله
تفتح وثيقة متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تتضمن جدول أعمال دورة جماعية مقررة خلال أكتوبر 2026، باباً لأسئلة تتجاوز التعاون الدولي إلى ترتيب الأولويات داخل التراب الوطني.
وتظهر ضمن إحدى نقاطها اتفاقية شراكة تجمع وزارة الداخلية، عبر المديرية العامة للجماعات الترابية، وجماعة مغربية وجماعة سنغالية، من أجل إنجاز مشروع ضيعة للسياحة البيئية والزراعية بالسنغال، في إطار الصندوق الإفريقي لدعم التعاون اللامركزي للجماعات الترابية.
الصورة المتداولة تكشف موضوع الاتفاقية، لكنها لا تعرض الكلفة الإجمالية للمشروع ولا المساهمات المالية المفصلة لكل طرف.
كما أن الاتفاقية الكاملة وملحقها المالي لا يظهران في النسخة المتاحة للعموم، وهو ما يجعل السؤال المالي مركزياً: كم ستكلف الضيعة؟ وكم سيتحمل الصندوق؟ وهل تتضمن الاتفاقية مساهمة من ميزانية الجماعة المغربية؟ وإذا كانت هناك مساهمة، فما قيمتها ومن أي موارد ستؤدى؟
التعاون مع إفريقيا ليس موضع الاعتراض هنا، فهو جزء من سياسة المغرب في التعاون جنوب–جنوب، كما أن القانون يخول للجماعات الترابية إبرام اتفاقيات للتعاون الدولي وفق المساطر الجاري بها العمل.
النقاش يبدأ حين يدخل المال العمومي في المشروع، لأن ذلك يفرض معرفة الكلفة ومصدر التمويل والالتزامات التي تتحملها الجماعة.
المعطيات الرسمية المتعلقة بالصندوق الإفريقي لدعم التعاون اللامركزي تبين أنه أُحدث سنة 2020، ويقوم على شراكة تجمع المديرية العامة للجماعات الترابية، والجماعة المغربية بصفتها «جماعة محور»، والجماعة الإفريقية المستفيدة.
والنموذج الرسمي لاتفاقيات الصندوق لا يقتصر على تبادل الخبرات والزيارات؛ بل ينص على تركيب مالي يحدد الكلفة الإجمالية للمشروع، ومساهمة الصندوق، ومساهمة الجماعة المغربية، ومساهمة الشريك الإفريقي.
كما ينص على إدراج الحصة المحددة للجماعة المغربية في ميزانيتها، وعلى آليات لتحويل المساهمات المخصصة لتنفيذ المشروع وفق شروط الاتفاقية.
هذه القواعد العامة لا تكفي، مع ذلك، لمعرفة ما ستدفعه الجماعة المعنية في هذه الاتفاقية تحديداً.
الحسم يتطلب نشر الاتفاقية نفسها وملحقها المالي، لأن النموذج العام لا يسمح بإسقاط نسب أو مبالغ على مشروع بعينه دون وثيقته الخاصة.
وجود برامج وطنية ومحلية لدعم الفلاحة لا يلغي السؤال المتعلق بأولويات هذه الجماعة تحديداً: كم خصصت للفلاحين والمنتجين الصغار داخل نفوذها الترابي؟ وكم وجهت إلى تعاونيات الإنتاج والتسويق، وتجهيز الضيعات الصغيرة، والاقتصاد في مياه السقي، وتثمين المنتجات المحلية، والتخزين والتبريد، أو تخفيف كلفة الأعلاف والمدخلات؟
لكن تقييم هذه السياسة يحتاج إلى أرقام: كم عدد المستفيدين محلياً؟ وما قيمة الاعتمادات المرصودة؟ وما المشاريع التي أُنجزت فعلياً؟ وهل تتوفر أمام الرأي العام معطيات واضحة عن التمويل ونسب الإنجاز والنتائج؟
وتبقى أسئلة أخرى معلقة: هل أُنجزت دراسة للمشروع بالسنغال؟ وإذا كانت موجودة، فمن أعدها؟ وما مؤشرات النجاح المعتمدة؟ وما الذي ستستفيده الجماعة المغربية منه على المستوى التقني أو المؤسساتي أو الاقتصادي؟ فالتعاون الإفريقي لا يُقاس بالربح المالي وحده، لكن أي مساهمة من المال العمومي تظل خاضعة لواجب الشفافية والتعليل.
وإذا كانت الاتفاقية ترتب فعلاً مساهمة مالية على الجماعة، تصبح المقارنة مشروعة: ما قيمة هذه الحصة بالدرهم؟ وما حجم الاعتمادات التي خصصتها الجماعة، في المقابل، للمشاريع الفلاحية المحلية؟ وهل سبق عرض الاتفاقية جرد لحاجيات الفلاحين والمنتجين داخل نفوذها الترابي؟
النقاش يتعلق، أساساً، بشفافية التمويل وترتيب الأولويات المحلية.
فالمواطن لا يحتاج إلى شعارات مؤيدة أو معارضة للتعاون مع إفريقيا، بل إلى أرقام واضحة: الكلفة الإجمالية، حصة كل طرف، مصدر الأموال، آجال التنفيذ، ومؤشرات التقييم.
كم خصصتم للفلاح داخل تراب جماعتكم؟ وكم ستبلغ مساهمة الجماعة، إن وُجدت، في مشروع الضيعة خارج المغرب؟
نشر الاتفاقية وملحقها المالي كفيل بالإجابة عن معظم هذه الأسئلة.
