بقلم: الباز عبدالإله
أثار الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس، أمس الجمعة 9 أكتوبر 2026، بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة، انتقادات في عدد من وسائل الإعلام الإسبانية، تجاوزت ملف الهجرة وأزمة سبتة إلى التغييرات السياسية الأخيرة بالمغرب، ووضعية الشباب، والعزوف الانتخابي.
وبينما وصفت صحيفة «Libertad Digital» موقف الملك بأنه «رفض لتقديم الحساب» بشأن الأزمة الحدودية، اعتبرت «El Independiente» تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة «خطوة استعراضية»، فيما استحضرت «El País» مؤشرات عن ضعف المشاركة السياسية للشباب واستمرار التحديات الاجتماعية.
وجاءت هذه التغطيات عقب خطاب انتقد فيه محمد السادس ما وصفه بالاستغلال السياسي والإعلامي لملف الهجرة من جانب بعض الأوساط الإسبانية، مؤكداً أن التعاون مع مدريد اختيار سيادي والتزام طوعي لا يمكن إخضاعه للضغط أو التهديد أو الابتزاز.
وأعلن أن النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة أصبح متجاوزاً، وأن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة استراتيجية جديدة تقوم على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
وكانت صحيفة «Libertad Digital» من أكثر المنابر حدة في تناول الموقف المغربي، بعدما نشرت مقالاً بعنوان يفيد بأن محمد السادس يتهم إسبانيا باستغلال أزمة سبتة ويطالب بعدم ممارسة أي ضغط على المغرب، قبل أن تستعمل في عنوانها الفرعي عبارة «يرفض تقديم الحساب»، معتبرة أن الملك صعّد لهجته دون تقديم توضيحات بشأن مسؤولية الرباط عن الأزمة التي شهدتها المدينة خلال يوليوز الماضي.
واستعملت الصحيفة وصف «اجتياح سبتة» للإشارة إلى الدخول الجماعي للمهاجرين عبر الحدود المغربية الإسبانية، وهو توصيف يعكس موقفها التحريري من الأحداث.
واعتبرت أن تصريحات الملك بشأن الضغوط السياسية والإعلامية لا تجيب عن التساؤلات المتعلقة بتدبير الأزمة الحدودية.
ولم يذكر محمد السادس سبتة أو مليلية بالاسم خلال خطابه، كما لم يشر صراحة إلى الزيارة المرتقبة للملك الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة يوم 13 أكتوبر ومليلية يوم 14 أكتوبر، رغم أن الخطاب جاء قبل أيام من هذه الزيارة، وفي ظل استمرار تداعيات أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة خلال الصيف.
وانتقلت صحيفة «El Independiente»، في تقرير للصحافية آنا ألونسو، إلى المشهد السياسي المغربي عقب الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر، وتعيين فاطمة الزهراء المنصوري، الأمينة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة مكلفة بتشكيل الأغلبية الجديدة.
واستعملت الصحيفة عبارة «Un gesto de cara a la galería»، التي يمكن ترجمتها في سياقها إلى «خطوة استعراضية أمام الرأي العام»، لوصف تعيين أول امرأة على رأس الحكومة المغربية، معتبرة أن رمزية هذا الحدث لا تلغي استمرار الفوارق بين النساء والرجال.
واستندت في هذا التقييم إلى ترتيب المغرب في تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين لسنة 2026، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في 16 شتنبر الماضي، والذي وضع المملكة في المرتبة 139 من أصل 145 اقتصاداً، مقابل المرتبة 137 سنة 2025.
ورغم التراجع بمركزين، تحسنت النتيجة الإجمالية للمغرب بشكل طفيف من 0.628 إلى 0.632 نقطة.
ويقيس التقرير الفوارق بين الجنسين في أربعة مجالات، تشمل المشاركة الاقتصادية، والتعليم، والصحة، والتمكين السياسي.
ويتعلق توصيف الصحيفة بالدلالة السياسية للتعيين في ضوء هذه المؤشرات، وليس بتقييم أداء المنصوري، التي كانت لا تزال بصدد تشكيل حكومتها.
وفي قراءة لنتائج الانتخابات، أوردت «El Independiente» أن نسبة المشاركة في اقتراع 23 شتنبر بلغت نحو 38 في المائة من قرابة 16 مليون ناخب مسجل، ووصفت هذا المستوى بأنه ثاني أسوأ حصيلة للامتناع عن التصويت في تاريخ المغرب.
وتؤكد المعطيات الرسمية لوزارة الداخلية أن نسبة المشاركة بلغت 38.02 في المائة.
وربطت الصحيفة ضعف الإقبال على صناديق الاقتراع بالاستياء من ارتفاع تكاليف المعيشة ومحدودية الفرص الاقتصادية، مشيرة أيضاً إلى حملة المقاطعة التي دعت إليها المنظمة الشبابية التابعة لحزب النهج الديمقراطي العمالي.
أما صحيفة «El País»، فقد ركزت على وضعية الشباب، في تقرير لمراسلها خوان كارلوس سانز، تناول الخطاب الملكي على خلفية الاحتجاجات التي شهدتها المملكة قبل نحو عام تحت اسم «جيل Z»، والمطالب المرتبطة بالتشغيل والخدمات العمومية.
وأوردت الصحيفة أن نسبة التسجيل الانتخابي في صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 سنة بلغت 4 في المائة.
غير أن المعطيات الرسمية التي نشرتها وزارة الداخلية قبل الانتخابات توضح أن الشباب المتراوحة أعمارهم بين 18 و24 سنة يمثلون 4 في المائة من مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية، وليس أن نسبة المسجلين من مجموع شباب هذه الفئة العمرية لا تتجاوز 4 في المائة.
كما أشارت «El País» إلى وجود نحو ثلاثة ملايين شاب مغربي خارج الدراسة والعمل، وهو تقدير استحضرته في سياق الحديث عن صعوبات الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وربطته بالمطالب التي رفعتها الاحتجاجات الشبابية بشأن التشغيل وتحسين الخدمات العمومية.
وتوقفت الصحيفة عند دعوة الملك إلى تسريع الجهوية المتقدمة واللامركزية الإدارية، في ظل استمرار الفوارق التنموية بين المناطق الساحلية والمجالات الداخلية، وما يرتبط بها من تفاوت في فرص الاستثمار والشغل والوصول إلى الخدمات.
وفي الملف المرتبط بإسبانيا، أبرزت «El País» انتقاد محمد السادس لمقتضيات قانونية وصفها بالمتجاوزة، وقرارات قضائية اعتبرها بعيدة عن الواقع، بسبب ما تفرضه، وفق الخطاب الملكي، من صعوبات أمام إعادة القاصرين المغاربة وبعض المهاجرين.
وربطت الصحيفة هذه التصريحات بالقواعد القانونية الإسبانية والدولية المتعلقة بحماية الأطفال والمهاجرين، وبقرار للمحكمة العليا الإسبانية يقيّد عمليات الإرجاع الفوري للمهاجرين الذين يحاولون دخول سبتة ومليلية سباحة، في الحالات والظروف القانونية التي تناولها الحكم.
ويبرز الخلاف بين الرباط ومدريد بشأن إعادة القاصرين اختلافاً في المقاربة؛ فبينما ينتقد الجانب المغربي العراقيل القانونية والقضائية التي تواجه التعاون في مجال الهجرة، تفرض القواعد الإسبانية والدولية احترام الضمانات القانونية ومقتضيات حماية الطفل قبل تنفيذ إجراءات الإرجاع.
وفي تعليق مباشر على الخطاب، انتقد الصحافي الإسباني إغناسيو سيمبريرو، المتخصص في الشؤون المغاربية، محدودية التعاون المغربي بشأن إعادة القاصرين غير المصحوبين، خلال مقابلة بثها برنامج «24 Horas» على الإذاعة العمومية الإسبانية «RTVE»، مساء الجمعة.
واعتبر سيمبريرو أن انتقادات محمد السادس كانت موجهة أساساً إلى الحزب الشعبي الإسباني وبعض وسائل الإعلام التي اتهمها بتوظيف أزمة سبتة في الصراع السياسي الداخلي، لكنه شدد على أن المغرب يتحمل بدوره جزءاً من المسؤولية عن تعثر التعاون المتعلق بإعادة القاصرين.
وأوضح أن السلطات المغربية لم تقدم، من وجهة نظره، التعاون الكافي في هذا الملف، مشيراً إلى أن بعض القاصرين لا يرغبون في العودة لأن هجرتهم تندرج ضمن مشروع عائلي، وهو ما يزيد تعقيد إجراءات الإرجاع.
وبخصوص إعلان الملك إعداد وثيقة استراتيجية جديدة للتعاون في مجال الهجرة، دعا سيمبريرو إلى انتظار المقترحات العملية التي سيقدمها المغرب قبل تقييم التحول المعلن، خاصة أن الخطاب لم يحدد مضمون الإجراءات المرتقبة أو آجال تنفيذها.
ولم تكن التغطيات الإسبانية موحدة في مواقفها؛ إذ ركزت وكالة الأنباء «EFE» على نقل تصريحات الملك بشأن رفض الضغوط السياسية، وانتقاد القرارات القضائية المتعلقة بإعادة المهاجرين، والإعلان عن مراجعة نموذج التعاون، دون تبني الأحكام التحريرية الحادة التي ظهرت في بعض الصحف الأخرى.
وأعادت هذه التغطيات ثلاثة ملفات إلى واجهة النقاش: مسؤولية الطرفين عن أزمة سبتة وتعثر إعادة القاصرين، والدلالات السياسية لتعيين أول امرأة على رأس الحكومة بعد الانتخابات، ومدى قدرة السياسات العمومية على معالجة البطالة والعزوف السياسي والفوارق الاجتماعية.
ومع اقتراب الزيارة الملكية الإسبانية إلى سبتة ومليلية، تظل طبيعة المقترحات التي ستقدمها الرباط بشأن التعاون في مجال الهجرة أحد أبرز الملفات المنتظرة، إلى جانب برنامج الحكومة المغربية الجديدة وما سيتضمنه من إجراءات مرتبطة بتشغيل الشباب وتقليص التفاوتات الاجتماعية والمجالية.
