بقلم: الباز عبدالإله
توقع البنك الدولي ألا تتجاوز نسبة المشتغلين بالمغرب 40.4 في المائة من مجموع السكان البالغين 15 سنة فأكثر بحلول سنة 2028، مقابل 40 في المائة سنة 2025، رغم توقع استمرار النمو الاقتصادي.
ويعني ذلك أن نحو ستة من كل عشرة أشخاص في سن العمل لن يكونوا مشتغلين، دون أن يعني بالضرورة أنهم جميعاً عاطلون عن العمل.
وتكشف ورقة المغرب، الصادرة ضمن تقرير «آفاق الاقتصاد الكلي والفقر» لشهر أكتوبر 2026، أن معدل التشغيل سيرتفع، وفق التوقعات، إلى 40.1 في المائة سنة 2026، و40.2 في المائة سنة 2027، قبل أن يبلغ 40.4 في المائة سنة 2028. وبذلك لن تتجاوز الزيادة المتوقعة 0.4 نقطة مئوية خلال ثلاث سنوات.
في المقابل، يرجح البنك الدولي نمو الاقتصاد المغربي بنسبة 4.4 في المائة سنة 2026، و4 في المائة سنة 2027، و4.3 في المائة سنة 2028.
وتبرز المقارنة بين المؤشرين أن استمرار النمو الاقتصادي لن يصاحبه، وفق هذه التقديرات، ارتفاع مماثل في نسبة السكان المشتغلين.
ولا يقتصر المشكل على عدد الوظائف. فالبنك الدولي يعتبر أن فرص العمل التي يولدها النمو ما تزال غير كافية لاستيعاب الباحثين عن الشغل، مشيراً إلى أن أقل من نصف العاملين بأجر يشغلون وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم.
وهو ما يضع ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق العمل ضمن التحديات المطروحة، إلى جانب إحداث مناصب جديدة.
وتظهر الفوارق بوضوح في مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، إذ تبلغ نسبتها 18.1 في المائة، مقابل 66.5 في المائة لدى الرجال، بحسب المعطيات التي أوردها البنك الدولي.
وتعكس هذه الأرقام تفاوتاً في المشاركة في سوق العمل، وهو مؤشر يشمل المشتغلين والباحثين عن عمل، ولا يقتصر على الأشخاص الذين يتوفرون فعلياً على وظيفة.
أما الشباب، الذين يعتبر البنك الدولي تشغيلهم من أبرز التحديات الاقتصادية للمغرب، فتظهر بيانات المندوبية السامية للتخطيط أن معدل البطالة وفق المفهوم الضيق بلغ 27.2 في المائة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة خلال الفصل الثاني من 2026، مقابل 9.5 في المائة على المستوى الوطني.
ورغم هذه المؤشرات، شهد سوق الشغل تحسناً خلال الفصل الثاني من السنة الجارية، بعدما ارتفع عدد المشتغلين مقابل دخل بنحو 279 ألف شخص مقارنة بالفصل الأول، وفق المندوبية السامية للتخطيط.
وتوزعت هذه الزيادة الفصلية بين 187 ألف مشتغل في الوسط الحضري و92 ألفاً في الوسط القروي.
وسجل قطاع الخدمات أكبر زيادة في عدد المشتغلين، بلغت 166 ألف شخص، تلاه قطاع الصناعة بـ47 ألفاً، ثم البناء والأشغال العمومية بـ42 ألفاً.
وتراجع معدل البطالة بالمفهوم الضيق من 10.8 في المائة خلال الفصل الأول إلى 9.5 في المائة خلال الفصل الثاني.
غير أن هذه النتائج الفصلية لا تلغي محدودية التحسن المتوقع في معدل التشغيل على المدى المتوسط.
كما أن انخفاض معدل البطالة لا يعني بالضرورة ارتفاع معدل التشغيل بالنسبة نفسها، لأن المؤشر الأول يُحتسب ضمن القوى العاملة، بينما يشمل مقام المؤشر الثاني جميع السكان في سن العمل، بمن فيهم غير المشاركين في النشاط الاقتصادي.
وكانت المندوبية السامية للتخطيط قد حددت معدل التشغيل مقابل دخل عند 38.2 في المائة خلال الفصل الثاني من 2026، استناداً إلى البحث الجديد حول القوى العاملة «EMO2026»، الذي أدخل تغييرات مفاهيمية ومنهجية على قياس التشغيل والبطالة.
ولذلك، فإن المقارنة المباشرة بين هذا الرقم الفصلي وتوقعات البنك الدولي السنوية تقتضي مراعاة اختلاف المنهجيات والفترات المرجعية.
وفي ما يتعلق بالإجراءات الحكومية، يشير البنك الدولي إلى سياسات تستهدف تنشيط سوق العمل، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتكييف التكوين المهني مع احتياجات القطاع الخاص.
لكنه يؤكد استمرار الحاجة إلى إصلاحات إضافية لتحسين الإنتاجية والمنافسة ومناخ الأعمال، بما يعزز قدرة الاستثمار الخاص على خلق الوظائف.
وتطرح هذه التوقعات مسألة قياس النتائج الفعلية لبرامج التشغيل والاستثمار: كم منصب شغل يُنتظر إحداثه سنوياً؟ وما حصة الشباب والنساء من الفرص الجديدة؟ وهل تستجيب الوظائف المحدثة لمؤهلات الباحثين عن العمل؟
فالمعطيات المتوقعة حتى 2028 لا تعني توقف إحداث الوظائف، لأن عدد المشتغلين قد يرتفع مع نمو السكان في سن العمل، حتى لو ظل معدل التشغيل شبه مستقر.
لكنها تضع أمام السياسات العمومية مؤشراً محدداً يمكن تتبع تطوره، إلى جانب أعداد المناصب الجديدة وجودتها، للحكم على مدى وصول ثمار النمو الاقتصادي إلى سوق الشغل.
