أعادت الباحثة مريم الشرتي، من مركز الهجرة والسياسات والمجتمع بجامعة أكسفورد، فتح ملف ضحايا العبور الجماعي نحو سبتة يومي 30 و31 يوليوز 2026، مسلطة الضوء على معاناة العائلات المغربية التي تبحث عن مصير أقاربها، والصعوبات التي تواجهها في تحديد هويات الجثامين المدفونة بمقبرة سيدي مبارك، حيث تحمل عشرات القبور أرقاماً بدل أسماء أصحابها.
وفي تعليق بحثي نشره موقع جامعة أكسفورد، أمس الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، دعت الشرتي إلى اعتماد إجراءات عملية لتبادل المعلومات وجمع عينات الحمض النووي، وتسهيل وصول أسر المفقودين إلى الجهات المختصة بالتعرف على الجثامين وإعادتها إلى ذويها عندما يكون ذلك ممكناً.
وتزامن نشر التعليق مع زيارة أجراها الملك الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى مقبرة سيدي مبارك بسبتة، حيث أديا تحية لأرواح الضحايا.
ووفق وكالة الأنباء الإسبانية «إيفي»، تضم المقبرة 90 شخصاً من ضحايا أحداث نهاية يوليوز، لا تزال أغلبية هوياتهم مجهولة.
واستندت الباحثة إلى معطيات تفيد بدفن 90 جثماناً حتى 28 غشت الماضي، فيما أشار مدير المقبرة أواخر شتنبر إلى أن تسعة فقط من المدفونين كانوا معروفين بالاسم.
غير أن تقريراً نشره التلفزيون الإسباني العمومي «RTVE»، يوم 12 أكتوبر، نقل عن مسؤول المقبرة، سعيد محمد، أن عدد المهاجرين المدفونين منذ بداية الأزمة بلغ 95 شخصاً، لم تُحدد رسمياً سوى هويات تسعة منهم.
وأوضح التقرير أن المقبرة شهدت دفن 90 شخصاً خلال ستة أيام، وأن العدد الأوسع يشمل حالات وفاة أخرى، بعضها لا يرتبط مباشرة بالغرق خلال العبور الجماعي.
وبالتالي، لا يمثل رقم 95 حصيلة مستقلة لضحايا يومي 30 و31 يوليوز وحدهما.
ومن بين الحالات التي استحضرتها الشرتي قصة سلمى، الشابة المنحدرة من تطوان، التي كانت المرأة الوحيدة بين الجثامين التسعين التي تناولها تعليق الباحثة.
ولم تتمكن والدتها من دخول سبتة لحضور جنازتها، رغم تحديد هوية ابنتها، وفق الوقائع التي أوردتها الباحثة استناداً إلى تحقيق نشرته صحيفة «إنفوليبر» الإسبانية.
وتبرز هذه الحالة الصعوبات التي تواجه بعض الأسر المغربية حتى بعد التعرف على هوية الضحية، خصوصاً ما يتعلق بتصاريح الدخول والإجراءات الإدارية اللازمة للوصول إلى أماكن الدفن.
وتشير الباحثة إلى أن ترقيم القبور يسمح بالحفاظ على الصلة بين الجثامين وسجلات الطب الشرعي، بما يتيح إمكانية تحديد الهوية لاحقاً عبر مطابقة البصمات أو الحمض النووي. غير أن استكمال هذه العملية يتطلب تمكين العائلات من تقديم المعلومات والعينات الضرورية، وربطها بالبيانات المحفوظة لدى السلطات المختصة.
وكان الحرس المدني الإسباني قد أعلن، في 4 غشت 2026، فتح مكتب بمعبر تراخال لتلقي بلاغات اختفاء الأشخاص الذين حاولوا العبور نحو سبتة، مع تخصيص بريد إلكتروني لاستقبال المعلومات عن بعد.
ودعا أقارب المفقودين إلى تقديم أوصاف جسدية وعلامات مميزة، تشمل الندوب والوشوم والعمليات الطبية السابقة والأغراض الشخصية.
وفي جانب آخر من الملف، نقلت وكالة «أسوشيتد برس»، خلال تغطيتها لبدء دفن الضحايا في غشت، عن متحدث باسم حكومة سبتة قوله إن الوثائق اللازمة لإعادة جثامين إلى المغرب كانت مكتملة، لكن السلطات المغربية لم تقبلها. وأضافت الوكالة أنها لم تتلق آنذاك رداً من وزارة الخارجية المغربية بشأن عمليات الدفن أو الادعاءات المتعلقة بعرقلة إعادة الجثامين.
وتظل هذه الرواية منسوبة إلى الجانب الإسباني، دون أن تكفي وحدها لتحديد أسباب تعثر إعادة الرفات أو المسؤولية الإدارية والقانونية عنها.
واقترحت الشرتي إنشاء نقطة اتصال تتيح للعائلات الموجودة بالمغرب متابعة ملفات المفقودين دون الحاجة إلى دخول سبتة، وجمع عينات الحمض النووي عبر القنصليات أو المنظمات الإنسانية، إلى جانب تسهيل التأشيرات للأقارب الراغبين في زيارة القبور والمساعدة على إعادة الرفات عندما تسمح الإجراءات بذلك.
وتتقاطع هذه المقترحات مع القرار رقم 2569 لسنة 2024 الصادر عن الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، الذي يوصي بتعزيز التنسيق بين الدول لتحديد هويات المهاجرين المفقودين، وتعيين نقاط اتصال وطنية، وتسريع معالجة طلبات التأشيرات القصيرة لعائلاتهم، ومساعدتها في الإجراءات المرتبطة بالتعرف على الضحايا وإعادة الجثامين.
كما يدعو القرار إلى اعتماد قبور فردية مسجلة بأسماء أو رموز تعريفية فريدة، مع احترام المعتقدات الدينية للمتوفين. ويتعلق الأمر بتوصيات برلمانية أوروبية، وليست أحكاماً قضائية تحدد المسؤولية عن أحداث سبتة أو تفرض إعادة جميع الجثامين تلقائياً.
وتطرح هذه المعطيات أسئلة على السلطات المغربية بشأن الجهة المكلفة باستقبال بلاغات العائلات، والإجراءات المتاحة لتقديم العينات البيولوجية، ومدى وجود تنسيق مع المصالح الإسبانية لتحديد هويات الضحايا واستعادة جثامينهم.
وفي المقابل، تبرز أسئلة موجهة إلى السلطات الإسبانية حول عدد بلاغات الاختفاء المسجلة منذ فتح مكتب تراخال، والحالات التي انتهت بتحديد الهوية، ونتائج تبادل المعلومات مع الجانب المغربي، والتسهيلات الممنوحة للأسر لزيارة القبور أو استعادة الرفات.
وبعد أكثر من شهرين على المأساة، تكشف المعطيات المنشورة استمرار الحاجة إلى حصيلة رسمية مفصلة لعمليات التعرف على الضحايا، وتوضيح المسار الذي يمكن للعائلات اتباعه لمعرفة مصير أقاربها.
فالرقم المكتوب على القبر قد يحفظ الصلة بين الجثمان وسجلات التعرف على الهوية، لكنه لا يخبر عائلة تنتظر في المغرب أين وصلت إجراءات البحث عن ابنها، ومن الجهة المسؤولة عن إبلاغها بالنتيجة.
