بقلم: الباز عبدالإله
بينما حذّر أحمد رحو، رئيس مجلس المنافسة، اليوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، من مخاطر تمركز الفاعلين في قطاع الصحة وتحول المجموعات الطبية الكبرى إلى عائق أمام المستثمرين الجدد، تكشف قرارات رسمية تحمل توقيعه أن المجلس سبق أن أجاز عمليات استحواذ لفائدة مجموعة «أكديطال»، بعدما خلص إلى أنها لا تهدد المنافسة في الأسواق المعنية، ما يفتح أسئلة بشأن معايير تقييم هذه العمليات ومدى تتبع آثارها على المنافسة والأسعار وحرية دخول مستثمرين جدد إلى السوق.
وخلال ندوة دولية احتضنتها مدينة مراكش حول المنافسة والتنظيم والحكامة في قطاع الصحة، شدد رحو على ضرورة ألا تتحول عمليات تجميع المؤسسات الصحية إلى حواجز تمنع دخول فاعلين جدد أو تخلق امتيازات اقتصادية على حساب المنافسة، مؤكداً أهمية تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وضمان تكافؤ الفرص.
غير أن العودة إلى القرار رقم 36/ق/2025، الصادر بتاريخ 24 مارس 2025، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 7398 بتاريخ 24 أبريل من السنة نفسها، تكشف أن مجلس المنافسة وافق على تولي مجموعة «أكديطال» المراقبة الحصرية لشركات «Polyclinique Laayoune» و«SihatInvest» و«Al Hikma Medical»، المرتبطة بأنشطة طبية وتجهيزات صحية بمدينة العيون.
واللافت أن القرار، الذي يحمل توقيع أحمد رحو، لم يقتصر على الترخيص للعملية، بل تضمن تقييماً خلص إلى أنها لن تُحدث آثاراً سلبية على المنافسة، سواء على المستوى الأفقي أو العمودي أو التكتلي.
وبرّر المجلس موقفه بعدم تقاطع أنشطة الأطراف المعنية داخل السوق المحددة، معتبراً أن العملية لن تؤدي إلى تراكم حصص سوقية من شأنه خلق وضع مهيمن أو تعزيزه بجهة العيون الساقية الحمراء.
وتكشف الوثيقة أن المجلس اعتمد في تحليله على المعطيات التي وفرتها الأطراف المبلغة والأبحاث التي أنجزتها مصالحه، كما نشر إعلاناً بشأن مشروع الاستحواذ بتاريخ 7 مارس 2025، ومنح الأطراف المعنية عشرة أيام لإبداء ملاحظاتها، دون أن يتوصل بأي ملاحظة خلال الأجل المحدد.
وتضع هذه التفاصيل تصريحات رحو الأخيرة أمام سؤال يتعلق بفعالية الرقابة: هل يقتصر تقييم مجلس المنافسة على المخاطر المتوقعة قبل الترخيص، أم يتوفر أيضاً على معطيات بشأن انعكاسات الاستحواذات التي أجازها بعد دخولها حيز التنفيذ، خصوصاً في الأسواق الصحية المحلية؟
ولم تكن عملية العيون الوحيدة من نوعها، إذ سبق للمجلس أن وافق، في 23 أكتوبر 2023، على استحواذ مجموعة «أكديطال» على كامل رأسمال وحقوق التصويت في شركة «Polyclinique Day»، المرتبطة بمشروع مؤسسة استشفائية بمدينة بني ملال.
ولا تعني هذه الموافقات، في حد ذاتها، وقوع احتكار أو مخالفة لقواعد المنافسة، كما أن عمليات الاستحواذ قد تساهم في تعبئة استثمارات جديدة وتوسيع العرض الصحي.
غير أن التحذيرات الصادرة عن رئيس المجلس نفسه تجعل من المشروع مساءلة المؤسسة عن مدى تطور وضعية المنافسة داخل الأسواق التي شهدت عمليات تركيز اقتصادي بموافقتها.
وتكتسب هذه المساءلة أهمية إضافية عند العودة إلى الرأي رقم A/4/22، الذي أصدره مجلس المنافسة بتاريخ 26 أكتوبر 2022 حول سوق الرعاية الطبية بالمصحات الخاصة والمؤسسات المماثلة لها بالمغرب.
فقد أورد المجلس، استناداً إلى معطيات عمليات تفتيش أنجزتها وزارة الصحة خلال النصف الأول من سنة 2022، أن 90 في المائة من المؤسسات التي شملها التفتيش لم تكن تحترم قواعد إشهار الأسعار، فيما لم تكن 80 في المائة منها تحترم قواعد الإعلان عن وضعية انخراطها في اتفاقيات التأمين الإجباري عن المرض.
وسجل الرأي أيضاً، بناءً على معلومات جمعها المجلس من فاعلين في السوق، ممارسات لاستقطاب المرضى عبر وسطاء، من بينهم ناقلون ومهنيون صحيون، مقابل عمولات أشار التقرير إلى أنها قد تصل إلى 20 في المائة من فاتورة العلاج.
ورغم أن هذه المعطيات تعود إلى سنة 2022، ولا تسمح بالجزم باستمرار الممارسات نفسها خلال سنة 2026، فإنها توثق اختلالات كانت معروفة لدى المؤسسة المكلفة بحماية المنافسة قبل سنوات من تحذيرات رئيسها الأخيرة.
ولم يتوقف المجلس عند تشخيص الوضع، بل أصدر 21 توصية شملت تعزيز شفافية الفوترة، واحترام قواعد إشهار الأسعار، وتقوية مراقبة المصحات، والتصدي للممارسات المرتبطة بطلب شيكات الضمان، وتحسين حماية المرضى.
وبعد مرور نحو أربع سنوات على صدور هذه التوصيات، لم تتضمن التغطيات الصحفية المتاحة لتصريحات رحو الأخيرة حصيلة مفصلة بشأن تنفيذها، أو توضيحات حول الإجراءات التي اتخذها المجلس في نطاق اختصاصاته لمعالجة الاختلالات التي سبق أن وثقها.
ولا تقع مسؤولية تنفيذ جميع التوصيات على مجلس المنافسة وحده، إذ تتوزع الاختصاصات بين وزارة الصحة ومؤسسات التأمين والهيئات التنظيمية الأخرى.
غير أن هذا التوزيع لا يمنع مساءلة المجلس عن نتائج تدخلاته المباشرة، ومدى تتبعه لتطور المنافسة في قطاع سبق أن خصص له تقريراً مفصلاً وأصدر بشأنه قرارات استحواذ.
كما أن تعليل الترخيص لعملية العيون استند إلى وضعية السوق والمعطيات المتوفرة وقت دراسة الملف، وهو ما يثير سؤالاً إضافياً بشأن مدى توفر معلومات حديثة تسمح بالتحقق من استمرار الفرضيات التي بُني عليها القرار، دون أن يعني ذلك أن المجلس ملزم قانوناً بإعادة فحص كل عملية تمت الموافقة عليها.
وتعيد تصريحات رحو النقاش إلى مسؤولية مؤسسته في توضيح معايير تقييم التركيز الاقتصادي بالقطاع الصحي، والكشف عما إذا كانت تتوفر على دراسات لاحقة بشأن تأثير توسع المجموعات الكبرى على المنافسة المحلية وشروط دخول فاعلين جدد.
فبين قرارات رسمية أجازت عمليات استحواذ وتحذيرات جديدة من مخاطر التمركز، يبقى السؤال المطروح أمام أحمد رحو ومجلس المنافسة: ما النتائج الملموسة للرقابة على القطاع الصحي منذ تقرير 2022، وهل يمكن قياس أثر تدخلات المجلس على حماية المنافسة، أم أن التحذيرات ستظل أسبق من الحصيلة المعلنة؟
