أعاد التحقيق الذي نشره أيوب الرضواني على موقع نيشان فتح واحد من أكثر الملفات المالية حساسية في المغرب، بعدما كشف معطيات دقيقة تشير إلى أن ما تقدّمه الحكومة تحت مسمى “التمويل المبتكر” يختلف جذرياً عن حقيقة ما يجري على الأرض.
فبينما ظل الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع يؤكد أن هذه العمليات تقوم على “بيع مع إعادة الإيجار لمدة ثلاثين سنة”، بما يسمح للدولة باسترجاع أملاكها لاحقاً، تُظهر تفاصيل الملف أن ما يجري ليس إعادة إيجار ولا يرتبط بأي أجل، بل هو تفويت نهائي كامل للملكية، دون أي آلية تضمن عودة تلك العقارات إلى الدولة في المستقبل.
العملية التي صنعت الجدل تحمل تاريخ 16 يوليو 2024، وهي موقّعة بين الدولة ممثلة في وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، وبين شركة “ديناميك ستون” التابعة لصندوق الإيداع والتدبير عبر “أجار إنفست”. وتتمثل العملية في بيع مؤسسات عمومية حساسة دون أي شرط تعاقدي يربطها بإعادة الشراء أو الإيجار اللاحق.
هذا الواقع يبعد كثيراً عن النموذج الذي قدّمه الوزير لقجع، والذي يفترض وجود مدة محددة وحق استرجاع وشروط واضحة، بينما الحقيقة أن التفويت تمّ بصيغة بيع كامل لا مؤقت.
وتشمل الأملاك التي غادرت ملك الدولة 11 عقاراً موزعة على 8 مدن:
– في الخميسات: مدرسة الإمام الغزالي وثانوية مولاي إدريس الإعدادية بقيمة 66.341.200 درهم.
– في خنيفرة: مدرسة الأرز الابتدائية بقيمة 11.091.600 درهم.
– في المحمدية: مستشفى مولاي عبد الله بقيمة 77.812.500 درهم.
– في الدريوش: المركز الاستشفائي الإقليمي بقيمة 370.433.400 درهم.
– في وجدة: قصر العدالة بـ 167.388.400 درهم، ومديرية أملاك الدولة بـ 7.749.600 درهم، ومديرية الجمارك بـ 28.783.000 درهم، ومدرستا ابن حزم وحمزة ابن المطلب بـ 31.251.200 درهم.
– في الرباط: مقر المجلس الجهوي للحسابات بقيمة 38.142.000 درهم.
– في تطوان: مندوبية أملاك الدولة بـ 14.030.000 درهم.
– في تارودانت: المديرية الإقليمية للتجهيز بـ 26.433.000 درهم.
وبإجمالي 839.465.900 درهم (أي حوالي 84 مليار سنتيم)، حصلت الدولة على مبلغ محدود مقابل أملاك ذات قيمة استراتيجية.
وفي المقابل، ستتحمل الميزانية العامة كلفة استعمال هذه العقارات نفسها بما يقارب 7 مليارات درهم سنوياً، وهي كلفة تنطوي على فائدة ضمنية تناهز 6%، أي ضعف كلفة الاقتراض المباشر عبر السندات أو التمويل الدولي.
الأرقام تكشف أن مداخيل “التمويلات المبتكرة” منذ 2019 بلغت 125 مليار درهم، منها 103.5 مليارات في عهد الحكومة الحالية. كما تستعد الدولة، وفق البرمجة المالية، إلى تفويت المزيد من الأملاك بقيمة 20 مليار درهم سنة 2026 و15 مليار درهم في 2027، بينما ستظل تؤدي نفقات الإيجار المرتبطة بهذه العمليات إلى غاية سنة 2057. أي أن الالتزام المالي سيستمر عقوداً طويلة حتى بعد توقف التفويت نفسه.
ومن المثير أن الحكومة لم تقدّم للرأي العام سوى مثال واحد حول أوجه صرف هذه المداخيل: تخصيص جزء من ثمن بيع المستشفى الجامعي القديم في الرباط لتمويل بناء المستشفى الدولي محمد السادس، وهو مرفق مكلف بالنسبة للمواطنين.
وهو ما جعل الرضواني يتساءل: هل تُباع المرافق العمومية المجانية لتمويل مرافق ذات تكلفة مرتفعة؟
الخطر الأكبر يكمن في غياب إطار تشريعي خاص ينظّم هذه العمليات، وعدم وجود مساطر رقابية واضحة، وغياب عرض تفاصيل التفويت على ممثلي الأمة، بينما يستمر الخطاب الرسمي في تقديم النموذج كآلية “مؤقتة” و“أقل كلفة”.
غير أن الواقع المالي يكذب هذه الرواية، مما يجعل السؤال مشروعاً: هل قدّم لقجع وصفاً دقيقاً لما يجري؟
الفارق بين ما يُقال للمغاربة وبين ما يُوقّع باسمهم يبدو واسعاً، ولغة “الابتكار” تحولت إلى غطاء لتفويت نهائي يقدم في صيغة مطمئنة.
وما عبّر عنه تحليل أيوب الرضواني هو أن “التمويلات المبتكرة” لم تعد مجرد آلية مالية، بل أصبحت توجهاً استراتيجياً يقوم على بيع ممتلكات الدولة نهائياً وخلق التزام مالي طويل المدى دون شفافية كاملة.
وما دام النقاش لم يُفتح بعد بالجدية المطلوبة، فإن الأسئلة ستظل مفتوحة، كما أن الملف وفق الرضواني ما يزال يحمل فصولاً جديدة في الطريق.
