Unemployment, Rising Prices, and a Declining Healthcare System… A Report Deconstructs the Myth of the Social State
تتشكل ملامح سنة 2024 في المغرب على وقع تراكم اختلالات عميقة، لم تعد الأرقام قادرة على إخفائها، ولا الخطابات الرسمية قادرة على تبريرها.
فقد أصبح الواقع الاجتماعي أشبه بمرآة عالية الدقة، تعكس ما جرى تواريه لسنوات: هشاشة بنيوية في السياسات العمومية، محدودية في أثر البرامج الاجتماعية، واتساع فجوة الثقة بين الدولة والمواطن.
وفي هذا السياق، قالت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إن البلاد عاشت عاماً مفصلياً أعاد ترتيب الأسئلة الكبرى حول العدالة الاجتماعية، معتبرة أن المغرب يواجه مرحلة تتقاطع فيها الضغوط الداخلية والتحولات الاقتصادية العالمية لتنتج وضعاً اجتماعياً مقلقاً.
ووفق التقرير، لم تعد البطالة مجرّد مؤشر اقتصادي، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية ممتدة، بلغت 21.3% حسب نتائج الإحصاء العام للسكان.
وتقول الجمعية إن هذه النسبة تكشف عمق الأزمة في سوق الشغل، وتعكس تراجعاً في قدرة السياسات الحكومية على تحويل الوعود إلى فرص عمل حقيقية.
كما أن تراجع نسبة النشاط إلى 41.6% يُفهم، حسب التقرير، باعتباره مؤشراً على انكماش اجتماعي خطير يجعل فئات واسعة خارج دينامية الاقتصاد، سواء بسبب اليأس من فرص الشغل أو بسبب ضعف الاندماج المهني والاقتصادي.
وفي خلفية هذه الأرقام، تضيف الجمعية، يتواصل اعتماد الدولة على وصفات مالية خارجية لا تراعي الخصوصيات الاجتماعية ولا الواقع الفعلي لسوق الشغل المغربي.
أما بيئة العمل، فتصورها الجمعية كمساحة تتراجع فيها شروط الكرامة المهنية. فقد أشارت إلى غياب مراقبة جدية لاحترام معايير السلامة في المصانع والمقاولات، مما أدى إلى استمرار الحوادث المميتة.
وتشير إلى أن حالات الوفاة والإصابات ليست “أحداثاً معزولة”، بل جزء من نمط ممنهج من غياب الحماية القانونية والعملية للشغيلة.
وتضيف الجمعية أن التضييق على الحريات النقابية قد فرّغ الحوار الاجتماعي من محتواه، وحوّله إلى أداة بروتوكولية لا تنتج أثراً في الواقع.
وفي باب القدرة الشرائية، يستخدم التقرير لهجة أكثر صرامة. فالغلاء، حسب الجمعية، لم يكن نتيجة ظرفية عالمية فقط، بل ارتبط داخلياً بتراكم ممارسات احتكارية، وغياب الضبط المؤسساتي، وتنامي مساحات اقتصادية رمادية تستفيد منها شبكات محدودة على حساب ملايين الأسر.
وترى الجمعية أن مؤسسات المراقبة والأسواق لم تقم بالدور المطلوب لضبط الأسعار، ما أدى إلى اتساع دائرة الفقر، وتآكل الطبقة المتوسطة، وارتفاع القلق الاجتماعي.
ولا تقل أزمة السكن حدّة عن باقي المؤشرات. فقد قالت الجمعية إن الإخلاءات القسرية في الأحياء الهامشية والعشوائية تمت في كثير من الأحيان دون مقاربة اجتماعية تضمن احترام المعايير الدولية.
وتشير إلى أن الدولة استولت على أراضٍ جماعية واسعة دون أن تقدّم بدائل سكنية كافية ومُجهزة، ما عمّق الإحساس بالهشاشة لدى الفئات المتضررة.
وتضيف الجمعية أن السكن اللائق ما يزال حلماً مؤجلاً لملايين المغاربة، وأن التدابير الحكومية لم تنجح في رفع الضغط عن المدن الكبرى أو في الحد من فجوة العرض والطلب.
ويبرز ملف زلزال الأطلس باعتباره الاختبار الأوضح لمدى جاهزية الدولة الاجتماعية. فقد اعتبرت الجمعية أن التأخر الكبير في إعادة الإعمار ترك آلاف الأسر في مواجهة الظروف الطبيعية القاسية، بين خيام مؤقتة وحلول وسطى لا ترقى لمستوى الوعود.
وترى أن الاستجابة الحكومية، رغم الموارد المرصودة، لم تتسم بالسرعة ولا بالرؤية الواضحة، وهو ما خلق شعوراً متزايداً بالإقصاء وسط المتضررين.
وفي القطاع الصحي، يعرض التقرير صورة أكثر قتامة. تشير الجمعية إلى أن ضعف التمويل العمومي ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات، وعلى توفر الموارد البشرية الأساسية، وعلى قدرة المواطنين على الولوج إلى العلاج.
وتضيف أن النقص الحاد في الأطر الطبية، وتراجع تجهيز المستشفيات، وغياب العدالة المجالية، يجعل الحديث عن “تغطية صحية شاملة” غير ذي معنى في كثير من المناطق.
كما قالت الجمعية إن الفساد الإداري وغياب الشفافية في تدبير صفقات الأدوية والمستلزمات الطبية يضيف طبقة أخرى من التعقيد على الأزمة الصحية، ويجعل إصلاح المنظومة أمراً أكثر صعوبة.
ويمتد تحليل الجمعية إلى المجال الثقافي، حيث أشارت إلى ضعف البنيات الثقافية، وغياب سياسة فعالة للصناعات الإبداعية، مع استمرار الهشاشة لدى الفاعلين الثقافيين.
أما فيما يتعلق بالأمازيغية، فقد اعتبرت أن تفعيل طابعها الرسمي ما يزال محكوماً بالمماطلة والتقطيع المناسباتي، حيث يتقدم الخطاب في المناسبات بينما يظل التنفيذ على الأرض بطيئاً ومحدوداً.
وبهذه القراءة، لا يقدّم التقرير مجرد رصد للمعطيات، بل يعيد طرح السؤال الأعمق: هل يمكن للدولة الاجتماعية أن تظل شعاراً سياسياً دون أدوات تنفيذية حقيقية؟ وهل يمكن للخطاب الرسمي أن يواكب التحولات الاجتماعية دون مراجعة جذرية للسياسات العمومية؟ تقول الجمعية إن الأزمة الاجتماعية أصبحت اليوم مرآة تكشف حدود النموذج التنموي، وتفرض إعادة نظر شاملة في آليات توزيع الثروة، وتدبير الخدمات الأساسية، وضمان الحقوق الأساسية.
وعلى المستوى الدولي، يُقرأ التقرير باعتباره وثيقة سياسية بقدر ما هو رصد حقوقي. فهو يكشف عمق التحديات التي تواجه المغرب، ويقدم صورة دقيقة عن الضغوط الاجتماعية التي تتطلب مقاربة جديدة، تقوم على الشفافية، والعدالة المجالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالحقوق، كما تخلص الجمعية، ليست امتيازاً تمنحه الدولة، بل التزاماً أساسياً يشكل جوهر أي مشروع تنموي حديث.
