لم يعد الحديث عن عقارات الأوقاف تفصيلاً دينياً أو ملفاً تقنياً كما كان يُقدَّم في السابق، لقد تحوّل الوقف في المغرب إلى واحدة من أكبر الثروات العقارية الصامتة؛ ثروة ممتدة من قلب المدن إلى ضواحيها، ومن الأسواق إلى المناطق الصناعية، وتضم أراضٍ بملايين الأمتار المربعة ومحلات وبنايات تستغلها جهات مختلفة. ومع ذلك، يظل السؤال نفسه يطفو منذ سنوات طويلة: أين تذهب عائدات الوقف؟ ولماذا لا يعرف الرأي العام شيئاً دقيقاً عن مداخيل تُقدَّر، وفق تقديرات غير رسمية، بما قد يصل إلى مئات المليارات على المدى الطويل؟
ما حرّك السؤال من جديد هو تدخل برلماني لفريق التقدم والاشتراكية، الذي قرّر فتح النافذة التي طالما ظلّت مغلقة.
السؤال الموجه لوزير الأوقاف أحمد التوفيق بدا بسيطاً في شكله، لكنه يحمل في داخله واحدة من أعقد الإشكالات: شفافية الاستثمار الوقفي، وكيفية تدبيره، ومعايير اختيار الشركاء، وغياب الأرقام المالية الدقيقة.
الوزير قدم ما اعتبره “خريطة” للتحول الذي تعرفه الوزارة: مشاريع جديدة، شراكات موسعة، وتحويل العقار الوقفي من وضعية الجمود إلى وضعية الاستثمار الإنتاجي.
وفي تفاصيل الأرقام التي كشفها التوفيق، نجد معطيات كبيرة: 72.785 متر مربع لإيواء سكان الدور الآيلة للسقوط بوجدة، 58 ألف متر مربع لإحداث منطقة للأنشطة الاقتصادية بالفحص–أنجرة، 12.917 متر مربع لسوق جديد بأكزناية، و12 هكتاراً فوق الوعاء العقاري لسوق الصالحين بسلا، وهو مشروع يُصنف من الأضخم في تاريخ الوقف.
وإلى جانب ذلك تم تخصيص 42 قطعة أرضية لمشاريع بشراكة مع القطاع الخاص، وتعبئة 1.750 هكتاراً لأغراض اجتماعية بين 2008 و2024.
هذه معطيات مهمة، وتكشف أن الوقف يتحرك، وأن الوزارة تنخرط في صنع مشاريع كبرى. لكن ما لم يقله الوزير هو الجانب الذي ينتظره الجميع: الأرقام المالية، المداخيل السنوية، النفقات، العائد الاقتصادي، وكيف تُصرف هذه الأموال. وهنا بالضبط يظهر التناقض بين القانون والواقع.
مدونة الأوقاف تُلزم الوزارة بإعداد ميزانية مستقلة سنوياً؛ وتُلزم أيضاً بإعداد بيان شامل حول الأصول والمداخيل.
كما أن قراراً ملكياً سنة 2010 أنشأ المجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف العامة، وهو جهاز مكلف بمراجعة الحسابات وتدقيقها وضمان حسن تدبير الموارد. على الورق، يبدو كل شيء منظماً، مؤطراً، ورقابياً. لكن عند الانتقال إلى مستوى “النشر العمومي”، يتغير المشهد بالكامل.
فبعد بحث واسع في المصادر الرسمية والرقمية، لا يظهر أي أثر لتقارير مالية مفصلة منشورة للعموم؛ لا توجد لوائح رسمية بجرد الأملاك الوقفية، ولا توجد تقارير سنوية تقدم أرقام المداخيل، ولا تقييم للعائد الاجتماعي، ولا لائحة للشراكات أو طبيعة العقود التي تُبرم فوق العقارات الوقفية.
هذا لا يعني غياب التقارير الداخلية أو غياب المراقبة القانونية، لكنه يعني شيئاً آخر: أن المعلومة الأساسية التي ينتظرها المواطن والصحافي والبرلماني غير متاحة.
وأن ما يُقدم للرأي العام هو فقط النصف المطمئن من الصورة، بينما يظل النصف الآخر محفوظاً داخل الرفوف المغلقة.
هذا الفراغ بين “وجود الرقابة القانونية” و“غياب النشر العمومي” هو ما يجعل ملف الأوقاف واحداً من أكثر الملفات حساسية.
لأن السؤال لم يعد فقط: أين تذهب العائدات؟ بل أصبح سؤالاً أكبر: لماذا لا تُنشر؟ ولماذا يتم الاكتفاء بمعطيات مجتزأة أمام البرلمان؟ وهل يمكن اعتبار أي ورش إصلاحي مكتمل إذا لم تتوفر معايير الشفافية الأساسية؟
النقاش يصبح أكثر تعقيداً حين نصل إلى المناطق الرمادية التي يعرفها الجميع في هذا الملف: عقارات وقفية محتلة منذ عقود وتُستغل دون مردودية واضحة، محلات تجارية بكراء زهيد لا يقارب قيمتها السوقية، نزاعات قضائية لا تُحسم، مشاريع تُبرم بشراكات غير معلنة التفاصيل، ومساحات عقارية استراتيجية لا يعرف أحد حجم عائدها ولا طريقة استغلالها.
يظهر من خلال تصريحات الوزير أن الوزارة تريد تحويل الوقف إلى محفظة اقتصادية منتجة، وهذا توجه إيجابي في حد ذاته. لكن الأهم ليس حجم الاستثمار بل حجم المكاشفة.
فإذا كانت المشاريع تتحرك، فمن حق الرأي العام أن يعرف كيف تتحرك الأموال.
وإذا كانت الشراكات توقع، فمن حق الناس أن يعرفوا من هم الشركاء وكيف تم اختيارهم. وإذا كانت الوزارة تتحدث عن أثر اجتماعي، فمن حق المجتمع أن يعرف حجم هذا الأثر وكيف يتم قياسه.
النتيجة واضحة: نصف الصورة معلن، والنصف الآخر ما زال في المنطقة التي لا يصلها الضوء. والوضع لن يستقر إلا حين تصبح بيانات الأوقاف علنية مثل غيرها من المؤسسات العمومية، وحين يُصدر المجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف تقارير سنوية منشورة، وحين يصبح الجرد العقاري الوقفي متاحاً للعموم، لأن هذه الثروة ليست ملكاً لوزارة، بل هي ملك للمجتمع.
وإلى أن يحدث ذلك، سيظل السؤال معلقاً: هل نسير نحو إصلاح حقيقي للوقف أم نحو توسيع الاستثمار دون توسيع الشفافية؟
وما دامت الأرقام غير منشورة، سيبقى الجواب في النصف الغامض من الصورة.
