لم تمرّ الجلسة البرلمانية الأخيرة مرور الكرام.
فبينما كان النقاش يُفترض أن يبقى داخل حدود الاختلاف السياسي الطبيعي، تحوّل إلى مواجهة مفتوحة بعدما راج أن وزير العدل عبد اللطيف وهبي استعمل عبارات مهينة في حق النائب البرلماني الدكتور عبد الصمد حيكر، وصلت إلى حد التعيير بالأب.
هذه الرواية، التي لم تُكذّب رسمياً، كانت الشرارة التي دفعت عبد العالي حامي الدين إلى إطلاق واحدة من أقوى تدويناته السياسية في الشهور الأخيرة: تدوينة وضعت وهبي في قلب زوبعة جديدة، وأعادت النقاش حول أخلاق المسؤول العمومي وهيبة المؤسسة التشريعية.
حامي الدين لم يلجأ إلى التخفيف أو تدوير الزوايا.
اختار عبارة صادمة ومدروسة: “وزير برتبة زنقوي لا يشرف المؤسسات الدستورية”. عبارة تحمل شحنة قوية، ليس لأنها هجومية فقط، ولكن لأنها تُسائل جوهر ممارسة السلطة:
هل يحق لوزير دولة أن يخاطب نائباً برلمانياً بلغة الشارع؟
وهل يمكن لمؤسسة منتخَبة تمثل ملايين المغاربة أن تُهان بكلمة وتمرّ وكأن شيئاً لم يقع؟
وحتى حين استعمل حامي الدين الشرط اللغوي “إذا ثبت…”، كان واضحاً أن التدوينة تشتغل بمنطق آخر: تحويل الواقعة إلى نقاش مؤسساتي، وليس مجرد تراشق شخصي.
فالإهانة، في نظره، لا تمسّ البرلماني وحده، بل تمسّ “الاحترام الواجب للمؤسسة التشريعية”، وتمسّ مبدأ فصل السلط، وتمسّ صورة الدولة نفسها.
في هذه اللحظة بالذات، ارتفع سقف النقاش.
لم يعد السؤال: “ماذا قال وهبي؟”
بل أصبح: “ما الذي بقي من هيبة المنصب حين يفقد صاحبه التحكم في لسانه؟”
اختيار حامي الدين لعبارة “زنقوي” لم يكن اعتباطياً.
فهو ليس مجرد وصف مهين، بل تعبير سياسي يحمل رسالتين واضحتين:
الأولى أن وهبي، في نظره، لم يعد يتصرف كوزير مسؤول، والثانية أنه يجرّ العمل الحكومي إلى مستوى لغوي لا يليق لا بالمنصب ولا بالسياق الدستوري.
وبما أن وهبي ليس وزيراً عادياً، بل أحد أبرز وجوه الحكومة، فإن أي انزلاق منه يتحول تلقائياً إلى نقاش عام.
وهذا ما حدث اليوم: تدوينة واحدة من حامي الدين كانت كافية لتفجير النقاش حول أداء الحكومة، وضبط السلوك المؤسساتي، واحترام المعارضة، وطبيعة الخطاب السياسي الرسمي.
اللافت أن التدوينة جاءت في توقيت حساس، وفي سياق تراكم أخطاء حكومية تنتظر شرارة صغيرة. وهبي، بمنصبه وثقله، أصبح هدفاً سهلاً لأي تصعيد.
لكن قوة تدوينة حامي الدين تكمن في أنها لم تتحول إلى هجوم شخصي مباشر، بل بقيت في إطار “الأخلاق المؤسساتية”، وهو الإطار الذي يربح دائماً لدى الرأي العام.
اليوم، وهبي في موقف صعب:
هل يعتذر؟
هل يلتزم الصمت؟
هل يفتح مواجهة جديدة؟
أم يترك العاصفة تمرّ؟
في كل الحالات، ما هو واضح أن الكرة الآن في ملعبه، وأن عبارة “وزير برتبة زنقوي” تجاوزت حدود التدوينة… وأصبحت عنواناً لمرحلة جديدة من النقاش حول الخطاب السياسي الحكومي، وحدود السلطة، وهيبة المؤسسات.
