A State Budget Passed in Six Minutes… with 73% of Parliament Absent:
When Fiscal Policy Is Shaped Outside the Voting Chamber
حين تتحول السياسة المالية إلى صناعة تتم بعيداً عن قاعة التصويت
تُظهر خريطة التعديلات على مشروع قانون المالية لسنة 2026 أن التأثير داخل المؤسسة التشريعية لم يعد متساوياً بين كل الفاعلين.
فحين يتقدم الاتحاد العام لمقاولات المغرب بـ48 تعديلاً أكثر مما تقدمه أحزاب بكاملها وتُقبل نسبة كبيرة من هذه التعديلات، بينما يغيب 290 نائباً عن الجلسة العامة، يصبح السؤال مشروعاً: هل صارت السياسة المالية تُصاغ فعلياً خارج القاعة التي يُفترض أن تكون مركز النقاش؟
ما وقع صباح الجمعة 5 دجنبر 2025 داخل مجلس النواب لم يكن مجرد جلسة سريعة، بل لحظة سياسية تختزل وضعاً أعمق. ست دقائق فقط كانت كافية للمصادقة في قراءة ثانية على مشروع قانون يحدد مصير الإنفاق والاستثمار والسياسات العمومية لسنة كاملة.
قاعة شبه فارغة، تصويت محدود… وصمت تشريعي غير مسبوق.
ليس هذا اختصاراً للإجراءات، بل اختصار لدورٍ كامل كان من المفترض أن يؤديه البرلمان.
وفي الوقت الذي مرّ فيه القانون بهذه السرعة، تكشف التجارب المقارنة حجم المفارقة.
فرنسا، سنة 2022، اهتزت لأن الحكومة طلبت تقليص زمن مناقشة قانون المالية إلى خمس ساعات فقط.
خمس ساعات اعتُبرت “مشكلة ديمقراطية”، ووصفتها الصحافة بـ“خنق النقاش البرلماني”.
خمس ساعات أثارت الضجة… فكيف يُفهم ست دقائق؟
أما في كندا، فلا أحد يتصور تمرير الميزانية دون أسابيع من الاستماع والاستشارات والنقاش العام المفتوح.
لأن الميزانية ليست نصاً محاسباتياً، بل رؤية سياسية للدولة.
في المغرب، يبدو أن المعادلة تغيّرت: النقاش لم يعد شرطاً لتمرير القانون، والحضور لم يعد ضرورياً لاتخاذ القرار، والبرلمان لم يعد فضاءً لإنتاج السياسة المالية بل مجرد محطة إعلانها.
الأرقام التي رافقت المسار التشريعي تؤكد ذلك: الحكومة قبلت 72 تعديلاً في مجلس المستشارين من أصل 227، و30 فقط في مجلس النواب من أصل 350.
لكن الأكثر دلالة هو أن قوة التأثير أصبحت مرتبطة بالفاعلين الأكثر تنظيماً، لا بالتمثيل العددي داخل المؤسسة.
ومن بين مظاهر هذا التحوّل، يبرز ضعف الأحزاب السياسية كعنصر أساسي في هذه الصورة.
فالأحزاب التي يُفترض أن تكون المحرك الأول للنقاش المالي والسياسي، صارت تظهر في المشهد كأجسام تنظيمية متعبة، عاجزة عن فرض حضورها داخل البرلمان.
غياب النواب ليس حادثاً عرضياً، بل انعكاس لوضع سياسي أعمق: أحزاب فقدت القدرة على تعبئة ممثليها، وفقدت معها جزءاً من قدرتها على التأثير في القوانين التي تُصاغ باسمها.
هذا الضعف التنظيمي والفكري جعل البرلمان هشّاً أمام القوى الأكثر تنظيماً.
النقاش لم يعد بين برامج سياسية، بل بين مستويات مختلفة من القدرة على الضغط والتأثير.
وهكذا، حين يضعف الحزب، يتقوى الفاعل الموازي.
وحين يغيب المنتخب، يحضر اللوبي.
وحين يتراجع النقاش السياسي، تتقدم القراءة التقنية.
هذا الوضع يعيد طرح سؤال جوهري حول وظيفة البرلمان: هل ما زال الموقع الذي تُناقش داخله الخيارات الكبرى؟ أم أصبح واجهة إجرائية تمرّر عبرها القرارات التي تُصاغ في فضاءات أخرى؟
وحين يغيب ثلاثة أرباع النواب عن الجلسة الأهم في السنة، يصبح من الصعب اعتبار البرلمان مركز الثقل السياسي كما يفترض الدستور.
ما يجري ليس خطأً ظرفياً، بل تحوّل بنيوي في طريقة صناعة القرار المالي.
النقاش العمومي يتقلص، الحضور السياسي يضعف، الدور التشريعي يتآكل، بينما تتقدم قوى تنظيمية أخرى لملء الفراغ. وفي هذا السياق، تصبح السرعة التي مرّ بها قانون المالية علامة على انتقال هادئ في مركز القرار الوطني.
وأكثر ما يكشف هشاشة اللحظة هو أن الأحزاب التي يُفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن النقاش السياسي غائبة أو صامتة أو منشغلة بمعارك داخلية لا علاقة لها بالوظيفة التي وُجدت من أجلها.
لكن السؤال الأكبر يبقى مفتوحاً:
إذا كان قانون المالية أهم وثيقة في السياسات العمومية يمرّ في ست دقائق، فمن يناقش فعلاً مستقبل الإنفاق العمومي؟
وإذا كان البرلمان لا يناقش، فمن يمارس الوظيفة التي من أجلها انتُخب؟
وأي شرعية ديمقراطية يمكن أن تُبنى على نقاش يُنجز أسرع مما تُقرأ فقرة واحدة من مقتضيات القانون؟
ثم: ماذا يتبقى من الدور الحزبي حين يصبح الفراغ أكبر من القدرة على ملئه؟
ست دقائق ليست مجرد زمن… إنها رسالة سياسية تقول الكثير عمّن يناقش، وعمّن يَحضر، وعمّن يؤثر، وعمّن انسحب.
