A 200-Million-Dirham Land Plot Changes Its Address…
Between Words and Reality: Is Laftit Still Ready to “Go All the Way”?
ليس تفصيلاً بسيطاً أن يخرج رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس جماعة الدار البيضاء، عبد الصمد حيكر، أمس، ليكشف أمام الصحافة عن واحدة من أخطر حلقات التدبير الحضري في السنوات الأخيرة: عقار جماعي استراتيجي مساحته 6000 متر مربع وقيمته تقارب 20 مليار سنتيم، يتحول فجأة من ملك الجماعة إلى ملكية خاصة، دون إشعار المنتخبين، ودون مسار إداري واضح، ودون أي تبرير مقنع.
القضية ليست مجرد تنقيل لملكية، بل نافذة تفتح على طريقة اشتغال “ظلّ” داخل قطاع التعمير؛ ظلّ يتحرك بصمت، دون أن يترك أثراً، ودون أن يُعلن عن نفسه كفاعل حقيقي في القرارات التي تحدد مستقبل العاصمة الاقتصادية.
حيكر وصف ما حدث بـ”التدخلات غير المفهومة”، لكن الحقيقة تبدو أبعد من ذلك. نحن أمام قرار لا يمكن اتخاذه إلا داخل دائرة ضيقة جداً، وبمعطيات لا تمر عبر المنتخبين أو الرأي العام.
وهنا يصبح السؤال مباشراً ومحرجاً: كيف تنتقل أرض جماعية بهذه القيمة إلى ملكية خاصة، بينما الآليات القانونية تُلزم بالشفافية والتعليل والتدرّج في الإجراءات؟
في هذا السياق، يصبح استحضار التصريح الشهير المنسوب لوزير الداخلية أمراً لا يمكن تجاوزه: «اللي دا شي أرض ولا درهم… يردّو ولا غادي نوصل معاه للخزِيت». تصريح قرأه الرأي العام على أنه وعدٌ بالصرامة وحماية أملاك الجماعات.
لكن أمام عقار بثقل 20 مليار سنتيم، تنتصب مفارقة صادمة: إذا كان الوزير يتوعد من يستولي على أرض، فكيف مرّ هذا التحويل الضخم دون تدخل صريح أو توضيح؟ وأي انسجام يبقى بين خطاب الصرامة وواقع يتيح تمرير هذا النوع من القرارات في صمت إداري غير عادي؟
حيكر لم يكتف بطرح القضية، بل وسّع دائرة النقاش إلى اختلالات التعمير بالمدينة، فالدار البيضاء، التي يُفترض أن تكون مرآة الحكامة الحضرية، أصبحت بحسب ما ورد في الندوة تُدار بمنطق الاستثناء أكثر مما تُدار بمنطق التخطيط.
تصاميم التهيئة تتغير، المساطر تُلتف، والرخص تُمنح خارج رؤية حضرية واضحة. والنتيجة مدينة تتحرك بلا بوصلة، وبقرارات لا يعرف المنتخبون عنها إلا في اللحظة الأخيرة، أو بعد وقوع الفعل.
وفي سياق التهيئة المرتبطة بكأس العالم 2030، كان حيكر واضحاً في التحذير من أن تتحول الأشغال الكبرى إلى ذريعة لهدم المباني العتيقة والتراثية التي تشكل ذاكرة المدينة وروحها.
التراث ليس عائقاً للتنمية، بل رأس مال سياحي واقتصادي، وأي تهيئة تخالف هذا المنطق لن تترك سوى فراغاً عمرانياً وندماً حضرياً يصعب إصلاحه.
حتى “جوطية درب غلف” حضرت في النقاش. ذلك الفضاء الشعبي الذي يشكل رئة اقتصادية لآلاف الأسر. حيكر شدد على أن التجار مستعدون لتنظيم الفضاء وتحسينه، لكن الخطر يكمن في أن تتحول الجوطية إلى ضحية تهيئة لا تراعي الواقع الاجتماعي، أو تُختزل في مقاربة تقنية صرفة.
المشهد العام الذي ترتسم ملامحه من كلام حيكر ليس مجرد نقد لتدبير مرحلي، بل تشخيص لبنية تعاني من ضعف الشفافية، وتراجع دور المنتخبين، وتصاعد تأثير فاعلين غير ظاهرين. القرارات الكبرى لم تعد تمر بالضرورة عبر المؤسسات، والمساطر القانونية لم تعد قيداً مانعاً، بل مجرد شكل يمكن تجاوزه حين تتوفر الإرادة.
وفي قلب كل هذا، تظل وزارة الداخلية أمام أسئلة مباشرة لا يمكن الهروب منها. إذا كانت هي الضامن للشرعية الترابية، والمسؤولة دستورياً عن سلامة القرار العمراني، فكيف وصلت الأمور إلى حدّ تحويل ملك جماعي إلى ملكية خاصة دون إخبار ممثلي الأمة في المجلس؟ ومن يراقب فعلياً مسار القرارات التي تهم العقارات العمومية في مدينة يتجاوز وزنها الاقتصادي 40% من الناتج الوطني؟
القضية تتجاوز حدود عين السبع، وتتجاوز حدود جماعة الدار البيضاء. إنها مرآة لحكامة حضرية تتحول تدريجياً إلى مجال تتحكم فيه مراكز تأثير غير منتخبة، بينما يتراجع دور المؤسسات المنتخبة إلى حدود شكلية.
والسؤال الذي لن يختفي قريباً هو: من يحكم التعمير فعلاً؟ ومن يحدد أولويات المدينة؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا النوع من “التحويلات الصامتة” التي لا يعرف عنها الرأي العام إلا بعد وقوعها؟
القصة لم تعد قصة عقار فقط، بل قصة مدينة كاملة تبحث عن منطق واضح في تدبيرها، وعن شفافية تليق بثقلها، وعن مؤسسات قادرة على حماية ممتلكاتها قبل أن تجد نفسها أمام خرائط جديدة تُرسم خارج أي نقاش عمومي أو مساءلة ديمقراطية.
