Moroccan Sardines: A Global Star… Yet a Product Without Local Sovereignty
قدّم وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب يوم الإثنين، خطاباً يطمئن في ظاهره، وهو يستعرض معطيات تبدو مشرقة عن قطاع الصناعات الغذائية: ثاني أكبر مشغّل وطني بعد السيارات، أكثر من مئتي ألف كفاءة مغربية تشتغل داخله، والمغرب يتصدّر قائمة مصدّري السردين في العالم.
لغة رسمية متقنة، ترسم لوحة نجاح شبه مكتملة، قبل أن تنكشف داخلها شقوق دقيقة تكشف هشاشة البناء: ارتفاع كلفة الإنتاج بسبب الغازوال، والزيوت المستوردة، والحديد الأجنبي المستعمل في العلب.
ومن هنا يطلّ السؤال، هادئاً في نبرته، حادّاً في معناه: كيف لقطاع وطني بهذا الحجم، يشغّل الآلاف ويحتل الصدارة العالمية، أن يظل رهين ثلاث مواد أساسية لا تُنتج داخل المغرب؟
الواقع الذي أفصح عنه الوزير ولو من غير أن يقصِد يظهر أن قوة المغرب في الكميات لا تُترجم بالضرورة قوة في القيمة المضافة.
فالسردين مغربي، والبحر مغربي، واليد العاملة مغربية، لكن الزيت مستورد، والحديد مستورد، والآلات مستوردة، وسلسلة واسعة من المدخلات تأتي من الخارج.
وهنا يتجلى التناقض الأكبر: كيف يمكن لصناعة يُفترض أنها وطنية بامتياز أن تبقى معلّقة بخامات أجنبية؟ بل إن نسبة الإدماج المحلي التي تحدث عنها الوزير (50%) لم تعد هدفاً طموحاً، بل تذكيراً بتأخر أوراش كان يفترض أن تُنجز منذ سنوات طويلة.
ثم إن اختزال الصناعة الغذائية في “تعليب السردين” يطمس حقيقة أن هذا القطاع يحتاج إلى منظومة كاملة من البحث العلمي والصناعات التحويلية وسلاسل القيمة المتكاملة.
فعندما تُستورد أهم عناصر الإنتاج، يصبح التعليب مجرد حلقة وسطى في سلسلة لا تتحكم الدولة في بدايتها ولا في نهايتها. وهكذا يغدو المنتوج مغربياً في أصله، لكنه غير مغربي في شروط إنتاجه ولا في القيمة التي يولّدها.
وعلى المستوى الاقتصادي، فإن التفاخر بأرقام التصدير لا يعني بالضرورة تحقيق مكاسب وطنية حقيقية.
فالقيمة المضافة الحقيقية تستقر في جانب كبير منها لدى الشركات الأجنبية التي تبيع المواد الأولية، ولدى الشبكات الدولية التي تسوّق المنتوج، ولدى العلامات التجارية التي تتحكم في سعره النهائي.
وهذا ما يفرض سؤالاً سياسياً حرجاً: من المستفيد الفعلي من نجاح قطاع السردين؟ هل هو الاقتصاد الوطني… أم المنظومات الخارجية التي تستفيد من كل ما نضعه داخل العلبة؟
أما استراتيجياً، فما يزال القطاع البحري أسير منطق «نصطاد ونعلّب»، بعيداً عن رؤية مستقبلية تُعلي من قيمة المعرفة: تدبير المخزون السمكي، تطوير بيوتكنولوجيات غذائية، ابتكار بدائل محلية للزيوت والعلب المعدنية، وتوسيع قاعدة البحث الجامعي المرتبط بالصناعة.
ومن دون هذه الرؤية، سيظل المغرب يصدّر ملايين العلب دون أن يصدر فعلاً قيمة اقتصادية تعكس حجم موارده.
ما يبقى من خطاب الوزير ليس بريق الأرقام، بل ذلك الإحساس بأن صناعة راسخة في ذاكرة المغاربة مثل السردين لا تزال تعمل بنصف قدرتها ونصف سيادتها.
نعم، نصدّر ملايين العلب، لكن جزءاً من قصة هذه العلبة يُكتب خارج الحدود.
وهنا يصبح السؤال أبعد من الاقتصاد: متى نمتلك صناعة كاملة منّا ولنا؟ متى نصنع سرديننا بزيتنا وعلبنا وتقنياتنا، وبقيمة مضافة لا تتسرّب خارج البلاد؟
قد يطول الطريق، لكن الاعتراف بالحقيقة هو خطوة البداية نحو صناعة تستحق فعلاً أن تُنسب إلى المغرب؛ صناعة لا ترتبط بالبحر فقط، بل بالسيادة الاقتصادية أيضاً.
