From the Ethics Committee to YouTube Live: Journalism Exposed to Public Opinion
حين انزلق النقاش من الأخلاقيات إلى الفرجة، لم يعد السؤال المطروح: من أخطأ ومن أصاب؟ بل أصبح السؤال الأخطر: من يعري من في هذه المعركة؟ وما الذي تبقى من صورة الصحافة أمام الرأي العام؟
ما يقع اليوم داخل المشهد الصحفي المغربي لم يعد مجرد نقاش مهني حول لجنة أخلاقيات، أو تسريب فيديو، أو شهادة هنا ورد هناك.
ما نعيشه هو تحوّل مقلق في طبيعة الصراع نفسه؛ انتقال واضح من نقاش مؤسساتي محدود تحكمه القوانين والمساطر، إلى فرجة إعلامية مفتوحة على قنوات اليوتيوب، حيث تختلط الأخلاقيات بالحسابات، والمبادئ بالمداخيل، والحق بمنطق “الأدسنس”.
في الأصل، كانت القضية محصورة داخل إطار محدد: لجنة أخلاقيات، مسطرة قانونية، سرية مهنية، ونقاش داخلي مضبوط، مهما بلغت حدّته.
غير أن تسريب الفيديو شكّل لحظة كسر حاسمة؛ لحظة انهار فيها السقف المؤسساتي، وخرج الملف من غرف النقاش المغلقة إلى المجال العمومي، دون ضوابط واضحة، ودون قدرة حقيقية على التحكم في مساره.
منذ تلك اللحظة، بدأ مسلسل الانزلاق: عبد الله البقالي يخرج بشهادة يبررها بواجب أخلاقي ورفض للصمت، حميد المهداوي يتفاعل دفاعاً عن نفسه وعن حرية التعبير، يونس مجاهد يرد من موقعه ومقاربته، البقالي يعود للرد على مجاهد، المهداوي يعلّق على الرد، وفي الخلفية قنوات اليوتيوب تفتح اللايفات، المشاهدات ترتفع، التفاعل يحتدم، و”الأدسنس” يشتغل بلا توقف.
ومع كل حلقة جديدة، كانت القضية الأصلية تفقد جزءاً من معناها، وتذوب وسط الضجيج.
رغم وجاهة جزء كبير من خطاب عبد الله البقالي، خصوصاً ما تعلق برفض الصمت، والتحذير من منطق الاستهداف، والدفاع عن مبدأ تعدد السرديات داخل المجال الإعلامي، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في لحظة الشهادة الأولى، بل في ما تلاها. فحين يستمر الظهور، ويتوسع الرد، ويتشعب السجال، تتحول الشهادة تدريجياً من فعل أخلاقي إلى عنصر داخل حلقة سجالية مفتوحة.
في تلك اللحظة، لا يعود الشاهد شاهداً فقط، بل يصبح طرفاً في معركة تتغذى على الردّ والردّ المضاد، وتفقد فيها الحدود بين الموقف المبدئي والانخراط في الصراع.
وهنا يطرح السؤال المشروع نفسه بإلحاح: هل ما زلنا نتحرك داخل منطق الشهادة، أم أننا دخلنا منطق المعركة؟ وهل يمكن للصحافي، مهما كانت نواياه، أن يظل فوق الصراع، وهو منخرط فيه يومياً عبر الردود والتوضيحات والتفاعلات؟
المفارقة المؤلمة أن كل الأطراف المتداخلة في هذا السجال تدّعي الدفاع عن الصحافة، وكل طرف يستعمل لغة المبادئ والأخلاقيات وحرية التعبير، لكن النتيجة واحدة: تعرية الجسم الصحفي برمته أمام الرأي العام.
فالمتلقي العادي لم يعد معنياً بتفاصيل اللجان ولا بتعقيدات المساطر، بل أصبح يواجه مشهداً مربكاً: صحافيون يتراشقون، مؤسسات تتناقض، وأخلاقيات تتحول إلى موضوع سجال علني.
اليوم، لم يعد المواطن يسأل: من ظالم ومن مظلوم؟ بل صار يسأل، وبقدر كبير من الشك: هل هذا ما تمثله الصحافة؟ هل هؤلاء يدافعون فعلاً عن الأخلاقيات، أم يتصارعون على النفوذ والمواقع والشرعية الرمزية؟ وهنا تكمن الخطورة، لأن السؤال حين يتحول من قضية محددة إلى تشكيك شامل، تصبح الخسارة جماعية.
الأخطر من كل ذلك أن الأخلاقيات نفسها تحولت إلى محتوى رقمي. لجنة الأخلاقيات، النزاع، التسريب، الردود، كلها أصبحت مواد قابلة للاستهلاك: عنوان مثير، بث مباشر، تدوينة، فيديو ردّ، ثم فيديو ردّ على الرد.
وفي هذا السياق، حتى النوايا الحسنة يمكن أن تُبتلع داخل منطق السوق الرقمي، حيث كلما طال السجال طال العمر الافتراضي للمحتوى، وكلما طال المحتوى ارتفعت المداخيل، بغض النظر عن الثمن الرمزي المدفوع.
النتيجة اليوم واضحة ولا تحتاج إلى كثير من الشرح: القضية الأخلاقية تميّعت، النقاش انزلق، صورة الصحافة تضررت، الثقة اهتزت، والجسم الصحفي خرج عارياً أمام الجمهور.
ليس لأن الحقيقة غير موجودة، ولا لأن المواقف كلها باطلة، بل لأن طريقة تدبير الخلاف قتلت جوهره، وحوّلت سؤالاً مهنياً حساساً إلى فرجة عامة مفتوحة.
نعم، من حق عبد الله البقالي أن يشهد وفق قناعته.
نعم، من حق حميد المهداوي أن يتفاعل ويدافع عن نفسه.
نعم، من حق يونس مجاهد أن يرد ويوضح.
لكن حين تتحول الأخلاقيات إلى مسلسل متواصل الحلقات، فإن الصحافة لا تربح، بل تنكشف.
وفي زمن هشّ الثقة، قد لا يكون هذا الانكشاف ضرراً عابراً، بل كلفة طويلة الأمد سيدفعها الجميع، دون استثناء.
