لم تعد قضية ياسين شبلي، الشاب الذي توفي عن عمر 28 سنة داخل مركز للشرطة بمدينة بنجرير في أكتوبر 2022، مجرد واقعة معزولة أو ملف جنائي عادي، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لقدرة القضاء المغربي على التعامل مع ادعاءات التعذيب، وفق المعايير الدستورية والالتزامات الدولية التي صادق عليها المغرب منذ عقود.
فبعد مرور أكثر من عامين على الوفاة، تقدّمت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إلى جانب مجموعة “مينا رايتس”، بشكاية رسمية إلى لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة، باسم أسرة الضحية، مطالبة بإعادة فتح المحاكمة وإعادة تكييف الوقائع باعتبارها أعمال تعذيب، وليس مجرد “عنف” أو “إهمال” كما انتهى إليه المسار القضائي الوطني.
ولا يتعلق جوهر الخلاف في هذا الملف فقط بظروف الوفاة، بل أساساً بالتكييف القانوني للأفعال التي سبقتها.
فوفق ما ورد في الشكاية، تعرّض ياسين شبلي، منذ لحظة وصوله إلى مركز الشرطة، للضرب والتعنيف، في سياق احتجاز كان يُفترض أن يضمن له الحماية الجسدية والقانونية، لا أن يتحول إلى فضاء لانتهاك حقوقه الأساسية.
غير أن السلطات القضائية اختارت متابعة أربعة عناصر من الشرطة بتهم “العنف من طرف موظف عمومي” و“القتل غير العمد الناتج عن الإهمال وقلة الاحتياط”، مستبعدة تهمة التعذيب، رغم أن القانون الجنائي المغربي، في مادته 231-1، يجرّم هذه الأفعال بشكل صريح، انسجاماً مع اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادق عليها المغرب سنة 1993.
وتبرز الشكاية الأممية جملة من الاختلالات التي شابت مسار التحقيق، من بينها إسناد جزء من الأبحاث إلى نفس مفوضية الشرطة التي وقعت داخلها الوفاة، وهو ما يطرح علامات استفهام جدية حول شرط الحياد والاستقلالية.
كما استحضرت تصريحات رسمية نسبت الوفاة إلى إصابات “ذاتية” ناتجة عن “حالة هستيرية” مزعومة، وهي رواية شكّكت فيها المنظمتان الحقوقيتان في ضوء المعطيات الطبية والوقائع الميدانية.
وترى الجهتان المشتكيتان أن هذا المسار لم يؤدِّ إلى كشف الحقيقة كاملة، بل ساهم في تقليص خطورة الوقائع من خلال توصيف قانوني لا يعكس طبيعتها الفعلية ولا جسامتها.
ومنذ وفاة ياسين شبلي، خاضت أسرته مساراً طويلاً للمطالبة بالحقيقة والعدالة، عبر تقديم شكايات قضائية، وتنظيم وقفات احتجاجية سلمية، والمطالبة بالاطلاع على تسجيلات كاميرات المراقبة الخاصة بفترة الحراسة النظرية.
غير أن هذه المطالب، بحسب الشكاية، قوبلت بمتابعات قضائية في حق عدد من أفراد الأسرة والأقارب، بتهم تتعلق بالإهانة أو الإخلال بالنظام العام أو المشاركة في تجمعات غير مرخصة.
وتعتبر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن استمرار هذا الوضع، في ظل غياب كشف كامل للحقيقة، يساهم في تقويض الثقة في قدرة القضاء على التصدي الجدي لجرائم التعذيب.
في المقابل، شددت مجموعة “مينا رايتس” على أن قضية شبلي تمثل اختباراً حاسماً لمدى التزام المغرب بتعهداته الدولية، معتبرة أن الإصرار على عدم توصيف ما جرى باعتباره تعذيباً يعكس إرادة في التقليل من خطورة الوقائع والتهرب من المسؤولية الجنائية المناسبة.
وتكشف هذه القضية، مرة أخرى، الفجوة القائمة بين النصوص القانونية المتقدمة التي يعتمدها المغرب في مجال مناهضة التعذيب، وبين الممارسة القضائية على أرض الواقع. فالتجريم القانوني، مهما بلغت دقته، يفقد فعاليته إذا لم يُفعّل بتكييف قضائي صريح يعكس طبيعة الأفعال المرتكبة دون مواربة أو تخفيف.
وفي انتظار ما ستسفر عنه مداولات لجنة مناهضة التعذيب، تبقى قضية ياسين شبلي علامة فارقة في مسار النقاش حول العدالة والمساءلة، وحدود الحماية القانونية للأشخاص الموضوعين رهن الاحتجاز، وسؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كان القضاء المغربي مستعداً للذهاب إلى أبعد من النص، نحو إنصاف حقيقي يضع الكرامة الإنسانية في صلب العدالة.
