When Borrowing Becomes a Delegated Decision: Who Controls the Cost of Public Debt?
مباشرة بعد صدور قانون المالية لسنة 2026 بالجريدة الرسمية، فوّض رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، لوزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح، صلاحيات واسعة تتعلق بالاقتراضات الداخلية والخارجية، وإعادة تمويل الدين الخارجي ذي الكلفة المرتفعة، واللجوء إلى أدوات مالية للتحوط من مخاطر أسعار الفائدة والصرف.
خطوة قانونية في ظاهرها، لكنها تثير في عمقها أسئلة تتجاوز الطابع التقني نحو طبيعة القرار المالي وحدود مراقبته.
كشفت مصادر إعلامية، من خلال ثلاثة مراسيم منشورة بالعدد الأخير من الجريدة الرسمية رقم 7465، عن نقل عملي لسلطة تدبير الاقتراض إلى وزارة الاقتصاد والمالية خلال السنة المالية 2026.
ويشمل هذا التفويض تحديد كيفيات إصدار الاقتراضات الداخلية، واللجوء إلى أدوات مالية أخرى لتغطية تكاليف الخزينة، إضافة إلى إبرام اتفاقات تمويل خارجي باسم حكومة المملكة المغربية، وتوقيع عقود الضمان المرتبطة بها.
المرسوم الأول خوّل للوزيرة صلاحية تدبير الاقتراض الداخلي بكل آلياته، بما في ذلك عمليات استرجاع وتبادل واستحفاظ سندات الخزينة، في سياق يُفهم منه السعي إلى مرونة أكبر في إدارة حاجيات التمويل.
أما المرسوم الثاني، المتعلق بالتمويلات الخارجية، فقد منحها سلطة إبرام اتفاقات التعاون المالي والاقتراض الخارجي مع حكومات وهيئات دولية، إلى جانب إصدار الاقتراضات في السوق المالي الدولي أو استعمال أدوات مالية بديلة.
ويذهب المرسوم الثالث إلى معالجة جانب أكثر حساسية، إذ يسمح بإبرام اقتراضات خارجية قصد الإرجاع المقدم للديون ذات الكلفة المرتفعة، واستعمال أدوات مالية للتحوط من تقلبات أسعار الفائدة والصرف، بهدف استقرار كلفة خدمة الدين العمومي.
ورغم أن المراسيم المنشورة خوّلت صلاحيات الاقتراض لوزيرة الاقتصاد والمالية، فإن برمجة حاجيات التمويل وضبط التوازنات الميزانياتية تظل، عمليًا، مرتبطة بدور الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، باعتباره المسؤول عن تحديد سقف العجز وتقدير حجم الاقتراض وانعكاساته على المالية العمومية.
غير أن هذا الدور البرامجي والتقني لا يُغيّر من حقيقة أن المسؤولية التنفيذية والسياسية عن إبرام عقود الاقتراض وتدبير كلفته تظل، وفق النصوص المعتمدة، محمولة على عاتق الوزيرة الوصية.
من الناحية القانونية، يستند هذا التفويض إلى مقتضيات دستورية ونصوص قانون المالية، ولا يخرج عن الإطار المؤسساتي المعتمد.
غير أن توقيته وسعته يعيدان طرح نقاش أوسع حول مسار القرار المالي، خاصة بعد مصادقة البرلمان على قانون المالية باعتباره الوثيقة المرجعية للسياسات العمومية، قبل أن تنتقل تفاصيل الاقتراض وتدبير المديونية إلى مراسيم تنفيذية، بعيدة نسبيًا عن النقاش العمومي المباشر.
في السياق الاقتصادي الراهن، حيث تتزايد كلفة خدمة الدين العمومي وتتعاظم الضغوط على الميزانية، يكتسي هذا التفويض بعدًا سياسيًا وماليًا واضحًا.
فالاقتراض ليس مجرد أداة تقنية لسد العجز، بل خيار يرهن الموارد المستقبلية، ويؤثر بشكل مباشر على هوامش الإنفاق العمومي، خاصة في القطاعات الاجتماعية والاستثمارية.
كما أن التركيز على “إرجاع الدين المكلف” يثير تساؤلات إضافية حول المسار الذي قاد إلى هذا المستوى من الكلفة، وحول مدى نجاعة السياسات السابقة في التحكم في المديونية، وحدود الرؤية الحكومية بشأن بدائل الاقتراض، سواء عبر تحسين تعبئة الموارد الذاتية أو مراجعة أولويات الإنفاق العمومي.
في المحصلة، يعكس تفويض صلاحيات الاقتراض لسنة 2026 توجهًا نحو تعزيز الطابع التنفيذي لتدبير الدين العمومي، مقابل تقلص مساحة النقاش العمومي حوله.
وبينما تُبرَّر الخطوة بالحاجة إلى السرعة والمرونة في مواجهة تقلبات الأسواق المالية، يظل السؤال الجوهري مطروحًا: كيف يمكن ضمان التوازن بين النجاعة التقنية، والشفافية، والمساءلة الديمقراطية، في واحد من أكثر الملفات تأثيرًا على الاستقرار المالي والاختيارات المستقبلية للدولة؟
