Talbi Alami Defends Sports Investment… Safi Raises the Question of Balance
يُقدَّم الاستثمار في التظاهرات الرياضية الكبرى، في الخطاب الرسمي المغربي، باعتباره خيارًا استراتيجيًا لتحفيز التنمية، وتسريع تحديث البنيات التحتية، وتعزيز الجاذبية الاستثمارية والإشعاع الدولي.
هذا التوجه دافع عنه رئيس مجلس النواب، رشيد الطالبي العلمي، خلال كلمة ألقاها اليوم الخميس بمقر مجلس النواب، في افتتاح أشغال المنتدى الدولي حول الرياضة، مؤكدًا أن كلفة تنظيم البطولات القارية والدولية لا ينبغي التعامل معها كعبء مالي، بل كاستثمار طويل الأمد في المدن والمجالات الترابية والخدمات العمومية.
غير أن هذا الدفاع، رغم وجاهته النظرية وانسجامه مع تجارب دولية عديدة، يصطدم بواقع ميداني يفرض طرح سؤال التوازن بين منطق الاستثمار في الصورة والرهانات الكبرى، ومنطق تأمين الحاجيات الأساسية للمدن والمواطنين. فالتنمية، في نهاية المطاف، لا تُختبر في الخطابات ولا على منصات المنتديات، بل في قدرة السياسات العمومية على الصمود أمام أول امتحان واقعي.
في هذا السياق، تطرح مدينة آسفي نفسها مثالًا دالًا.
فخلال الأيام الأخيرة، كشفت تساقطات مطرية عادية نسبيًا هشاشة واضحة في البنية التحتية، أودت بحياة مواطنين وتسببت في خسائر مادية جسيمة.
وما وقع لم يكن حادثًا معزولًا أو استثناءً ظرفيًا، بل مؤشرًا على اختلالات تراكمت عبر سنوات في مدينة يُفترض أنها استفادت من برامج تنموية متتالية، دون أن ينعكس ذلك في تجهيزات قادرة على حماية الأرواح وضمان الحد الأدنى من السلامة.
ولا يتعلق الأمر هنا بمقابلة مباشرة بين الرياضة والكوارث الطبيعية، بقدر ما هو تسليط للضوء على منطق ترتيب الأولويات.
كيف يمكن إقناع الرأي العام بجدوى استثمارات ضخمة في منشآت رياضية وتظاهرات كبرى، في وقت تكشف فيه أحداث متكررة عن عجز في شبكات صرف المياه، والبنيات الوقائية، وتجهيزات أساسية تمس الحق في السلامة والحياة؟ وكيف يُفهم الحديث عن “استثمار طويل الأمد”، بينما تُظهر مدن متوسطة وهامشية هشاشة بنيوية عند أول اختبار مناخي؟
الإشكال، في عمقه، لا يكمن في الاستثمار الرياضي في حد ذاته، ولا في الطموح إلى الإشعاع الدولي، بل في غياب رؤية مندمجة تجعل من هذا الاستثمار جزءًا من مشروع تنموي متوازن، يربط بين البنيات الرياضية، والبنيات الوقائية، وتجهيزات القرب، والعدالة المجالية. فالتوازن ليس شعارًا خطابيًا، بل خيار سياسي ومالي واضح، ينعكس في توزيع الموارد وفي طبيعة المشاريع ذات الأولوية.
ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة حصيلة الاستراتيجية الوطنية للرياضة 2008–2020، التي جرى التذكير بها خلال المنتدى باعتبارها مرجعًا مؤسسًا.
غير أن هذه الاستراتيجية، بعد مرور سنوات على انتهاء أفقها الزمني، لم تخضع بعد لتقييم عمومي صريح يربط بين ما تحقق على مستوى المنشآت الكبرى والنخبة، وما تعثر على مستوى الرياضة المدرسية، وبنيات القرب، والإدماج الاجتماعي، خاصة في المدن التي تعاني هشاشة بنيوية متعددة الأبعاد.
وفي ظل التحولات التي تعرفها الرياضة عالميًا، حيث أصبحت مجالًا تتقاطع فيه رهانات المال والنفوذ والسياسة، يزداد سؤال التوازن إلحاحًا.
فالرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تنظيم التظاهرات أو تشييد الملاعب، بل في القدرة على تحقيق انسجام فعلي بين متطلبات الإشعاع الدولي وضرورات العدالة الاجتماعية، وبين الاستثمار في المستقبل وتأمين شروط الأمان في الحاضر.
ومن هذا المنظور، يكتسب النقاش الذي فتحه الطالبي العلمي حول الاستثمار الرياضي أهميته، لا باعتباره موقفًا نهائيًا، بل كنقطة انطلاق لنقاش أوسع حول موقع هذا الاستثمار داخل سلم الأولويات الوطنية.
فآسفي، بما كشفته من هشاشة، لا تعارض الرياضة ولا تطعن في جدواها، لكنها تذكّر بأن أي مشروع تنموي، مهما كانت جاذبيته الرمزية، يظل ناقصًا ما لم يُبنَ على توازن يحمي الإنسان قبل الصورة، ويجعل من التنمية ممارسة يومية لا خطابًا مناسباتيًا.
