157 Million Dirhams from Abroad to Cover Domestic Shortfalls: Who Funds Development When the National Budget Stalls?
ليست قيمة الهبة اليابانية الموجهة لإعادة تهيئة قرية الصيادين بالصويرية القديمة في رقمها المالي فقط، رغم أنه يناهز 157 مليون درهم، بل في ما تطرحه من أسئلة صامتة حول منطق التدبير العمومي بالمغرب.
فحين يصبح تمويل مشروع محلي حيوي، غير قابل للاسترجاع، رهينًا بدعم خارجي، فإن النقاش يتجاوز لغة الاحتفال الدبلوماسي ليدخل منطقة أكثر حساسية: أين تقف الدولة من مسؤولياتها التنموية، وأين تبدأ حدود الاختلال في ترتيب الأولويات؟
توقيع اتفاقية الهبة التكميلية بين كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري زكية الدريوش ونائب وزير الشؤون الخارجية الياباني، بحضور ممثلي الوكالة اليابانية للتعاون الدولي، قُدِّم في البلاغات الرسمية باعتباره حلقة جديدة في مسار التعاون المغربي–الياباني.
غير أن قراءة هادئة في خلفيات المشروع تُظهر أن الأمر لا يتعلق بإطلاق تجربة جديدة بقدر ما يتعلق بإعادة تأهيل مشروع قديم أُنجز أصلًا سنة 1998 في إطار نفس التعاون، قبل أن يعود اليوم إلى الواجهة بتمويل أجنبي إضافي، بعد أكثر من ربع قرن من السياسات العمومية المتعاقبة.
قرية الصيادين بالصويرية القديمة ليست وليدة اللحظة، ومع ذلك لم تُقدَّم أي معطيات رسمية للرأي العام تشرح بوضوح لماذا لم تتحول هذه القرية إلى قطب اقتصادي محلي مستدام، ولا ما الذي أعاق استثمارها الكامل طوال السنوات الماضية، ولا من قيّم أداء المشروع قبل اتخاذ قرار إعادة تمويله.
هذا الغياب للتقييم لا يمكن اعتباره تفصيلًا تقنيًا عابرًا، بل يعكس خللًا أعمق في طريقة تدبير المشاريع العمومية، حيث تُعاد التهيئة دون محاسبة مرحلية، وتُعاد البرمجة دون تشخيص شفاف، فتتحول المشاريع إلى دورات إنقاذ متكررة بدل أن تكون رافعات تنموية حقيقية.
ويُدرج المشروع، في الخطاب الرسمي، ضمن تفعيل أحد محاور مخطط “أليوتيس”، الذي قُدِّم منذ إطلاقه كإطار استراتيجي لتحديث قطاع الصيد البحري وتحسين جودة المنتوجات ورفع تنافسية الموانئ التقليدية.
غير أن هذا الخطاب، رغم تكراره، نادرًا ما يُرفق بأرقام اجتماعية دقيقة تسمح بتقييم أثره الحقيقي.
فبعد أكثر من عقد على تنزيل هذا المخطط، ما تزال الأسئلة الجوهرية مطروحة حول ما إذا كان دخل الصياد التقليدي قد تحسّن فعليًا، وحول ما إذا كانت الاستثمارات قد انعكست على الاستقرار المهني والاجتماعي للبحارة، وحول مدى تقليص هشاشة العمل الموسمي في القرى الساحلية.
الحديث عن “القيمة المضافة” حاضر بقوة، لكن المؤشرات الاجتماعية لا تزال غائبة أو مؤجَّلة.
ويأتي هذا التمويل الياباني غير القابل للاسترجاع في سياق تتحدث فيه الحكومة عن تعبئة موارد مالية ضخمة، وعن برامج استثمارية كبرى تموَّل من الميزانية العامة أو عبر الاقتراض.
ومع ذلك، يظهر أن مشروعًا محليًا محدود الحجم نسبيًا، يمس بشكل مباشر مصدر عيش عشرات الأسر، لم يجد طريقه إلى التحديث إلا عبر دعم خارجي.
هذه المفارقة تطرح سؤالًا سياسيًا هادئًا لكنه مُحرِج: إذا كانت الدولة قادرة على رصد مليارات الدراهم لمشاريع ذات أثر اجتماعي متفاوت، فلماذا تعجز عن تمويل تهيئة قرية صيادين تشكّل ركيزة اقتصادية محلية؟ وهل يتعلق الأمر بندرة الموارد، أم بخلل مزمن في ترتيب الأولويات؟
ورغم التركيز المتكرر في الخطاب الرسمي على تحسين ظروف البحارة الصيادين وخلق قيمة مضافة للمنتجات البحرية، يظل الصياد التقليدي الحلقة الغائبة عن لغة الأرقام.
فلا معطيات واضحة حول عدد مناصب الشغل المستدامة التي سيوفرها المشروع، ولا حول آليات إدماج الشباب المحلي، ولا حول حصة البحّار من القيمة المضافة بعد التهيئة.
والخطر هنا لا يكمن في فشل المشروع، بل في نجاحه شكليًا دون أن يُحدث تحولًا فعليًا في واقع الفئات التي يُفترض أنها في صلب هذا الاستثمار.
ولا يهدف هذا النقاش إلى التشكيك في جدية الشريك الياباني، الذي أثبت عبر تجارب متعددة صرامة في التخطيط والتنفيذ والتتبع، بقدر ما يهدف إلى إعادة طرح سؤال داخلي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا لا تُدار المشاريع الممولة من الميزانية الوطنية بنفس المعايير الصارمة؟ ولماذا يحتاج المشروع المحلي إلى “ضمانة خارجية” كي يكتمل وفق معايير الجودة والنجاعة؟
فالتنمية المستدامة لا تُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة ولا بقيمة الهبات المُعلَن عنها، بل بقدرة المشاريع على الاستمرار دون دعم استثنائي، وبمدى قدرتها على تحويل الاستثمار إلى أثر اجتماعي ملموس.
وحين تتحول الهبات الأجنبية إلى عنصر حاسم في إنقاذ مشاريع محلية، فإن الإشكال لا يكون في الشراكة، بل في نموذج الحكامة الذي ما يزال عاجزًا عن ربط التخطيط بالنتائج، والميزانية بالأثر، والخطاب بالواقع.
