Wahbi Redraws the Gateway to the Legal Profession: Professional Reform or Legislative Control?
كشفت الصيغة النهائية لمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، الذي أحاله وزير العدل عبد اللطيف وهبي على الأمانة العامة للحكومة، عن توجه تشريعي لا يكتفي بمراجعة بعض المقتضيات التقنية، بل يعيد ترتيب واحدة من أكثر المهن ارتباطاً بفكرة الاستقلال داخل منظومة العدالة.
مشروع يغيّر قواعد الولوج، ويعيد هندسة المسار، ويطرح تصوراً جديداً للمهنة من أساسها.
النص المرتقب عرضه على مجلس الحكومة يقترح شروطاً غير مسبوقة لولوج المهنة، في مقدمتها اشتراط التوفر على شهادة الماستر لاجتياز مباراة الولوج إلى المعهد العالي للمحاماة، مع تحديد سن الترشح بين 22 و40 سنة، واعتماد المباراة بدل الامتحان، ثم إخضاع الناجحين لمسار تكويني يمتد لسنتين، ينتهي بامتحان نهائي يرسم مصير التسجيل في جدول الهيئة.
في الخطاب الرسمي، يُقدَّم هذا المسار باعتباره إصلاحاً يهدف إلى “رفع جودة التكوين” و“تحسين مستوى الممارسة المهنية”.
غير أن هذا التوصيف، في سياق جامعي واجتماعي مأزوم، يبدو أقرب إلى غلاف لغوي ناعم لإجراء انتقائي صارم، ينقل المهنة من منطق الانفتاح المنظَّم إلى منطق الفرز المسبق.
فاشتراط شهادة الماستر، داخل جامعة عمومية تعاني أصلاً من محدودية العرض وضعف الاستيعاب في سلك الدراسات العليا، لا يمكن قراءته كمعيار جودة بقدر ما هو آلية إقصاء غير معلنة.
كما أن إطالة مسار التكوين ورفع كلفته الزمنية والمادية يفرضان واقعاً جديداً، يجعل مهنة المحاماة أقل قابلية للولوج من طرف أبناء الفئات المتوسطة والفقيرة، ويفتح الباب أمام إعادة إنتاج نخبوية اجتماعية داخل مهنة يُفترض أن تشكّل أحد صمّامات التوازن داخل العدالة.
الدلالة الأقوى في هذا المسار هي الرفض الصريح الذي عبّرت عنه هيئات مهنية وازنة، وفي مقدمتها هيئة المحامين بالدار البيضاء وهيئة بني ملال، واللتان اعتبرتا أن المشروع يمس بالمكتسبات الجوهرية للمهنة، ويقوّض استقلاليتها، ويشكّل تراجعاً خطيراً عن فلسفة تشريعية راكمها المغرب منذ أول قانون مستقل للمحاماة سنة 1924.
رفض لا ينطلق من دفاع فئوي ضيق، بل من قناعة مفادها أن التحكم في شروط الولوج هو، في عمقه، تحكم في مستقبل المهنة ووظيفتها داخل منظومة العدالة.
الأخطر في المشروع ليس شرط الماستر في حد ذاته، ولا اعتماد المباراة بدل الامتحان، بل الفلسفة التي تؤطر هذه الاختيارات.
فلسفة تُقدِّم الإصلاح كقرار إداري أحادي، وتتعامل مع الهيئات المهنية كأطراف ملحقة لا كشركاء في البناء، ما يحوّل الإصلاح من ورش تشاركي إلى عملية إعادة ضبط عمودية تُدار من أعلى وتُمرَّر باسم الجودة.
سياسياً، يعكس هذا التوجه انتقالاً مقلقاً في طريقة تدبير المهن القضائية، حيث يتم توسيع النفوذ التنظيمي للدولة داخل مجالات كانت تُدار تاريخياً بمنطق الاستقلال والتوازن.
منطق قد يبدو منسجماً على الورق، لكنه يحمل في العمق مخاطر حقيقية على وظيفة المحاماة كسلطة موازية، لا كامتداد تقني للإدارة.
ما يُعرض اليوم ليس مجرد مشروع قانون، بل تصور جديد للمهنة: محامٍ أقل عدداً، أكثر انتقاءً، وأكثر خضوعاً لمنطق الضبط.
والنتيجة ليست فقط إعادة رسم بوابة المحاماة، بل إعادة تعريف دورها داخل العدالة، بعيداً عن كونها فضاءً للدفاع والوساطة والاختلاف، وقريباً من التقنين الصارم والتحكم الهادئ.
وهنا بالضبط، لا يعود النقاش قانونياً صرفاً، بل يتحوّل إلى نقاش حول العدالة نفسها: كيف تُبنى، ولمن تُفتح أبوابها، ومن يُقصى منها بصمت.
