أثار مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي نقاشًا واسعًا، بعد توثيقه لحظة خلال نشاط رسمي حضره وزير التربية الوطنية، محمد سعد برادة، حيث قدّم أطفال هدية رمزية، التُقطت على إثرها صور تذكارية، قبل أن يُغادر الوزير المكان، بينما بقيت الهدية موضوعة في محيط النشاط.
من الناحية الشكلية، لا يُظهر الفيديو رفضًا صريحًا للهدية، ولا يتضمن سلوكًا فجًّا أو عبارة مباشرة يمكن تصنيفها كإساءة.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في ما لم يحدث، بل في ما وصل كرسالة.
فالصورة، بحمولتها الرمزية، أوحت بأن المبادرة الطفولية لم تتجاوز حدود اللقطة البروتوكولية، وأن التفاعل معها توقّف عند مستوى الكاميرا، لا عند مستوى الإحساس.
بالنسبة للأطفال، لا معنى للبروتوكول ولا للتبريرات التنظيمية. الطفل لا يقرأ المشهد بمنطق الإدارة، بل بمنطق الشعور.
ما يراه ببساطة هو: قدّمنا هدية، فرحنا باللقاء، ثم غادر المسؤول وبقيت الهدية.
هذا الفهم البسيط، وإن بدا عابرًا في نظر الكبار، قد يخلّف إحساسًا بالخيبة أو بعدم الاعتراف، خاصة حين تكون المبادرة نابعة من جهد صادق ورغبة حقيقية في المشاركة.
هنا بالضبط، يطرح المشهد سؤال القدوة والمسؤولية الرمزية. فوزير التربية لا يُمثّل قطاعًا إداريًا فقط، بل يُفترض أن يجسّد، بسلوكه اليومي، القيم التي يُفترض أن تنقلها المدرسة: التقدير، التشجيع، والانتباه لمشاعر الأطفال.
وعندما تخذل الصورة هذه القيم، يكون الأثر التربوي معاكسًا، حتى وإن لم يكن ذلك مقصودًا أو متعمّدًا.
الخطير في هذا المشهد ليس أن الهدية لم تُؤخذ، بل أن الطفل هو الذي تُرك رمزيًا خارج الاهتمام.
فالمشهد يعكس، عن غير قصد، منطقًا شائعًا في تدبير عدد من الأنشطة الرسمية: الأطفال حاضرون لتجميل الصورة، لا لصناعة العلاقة. يُستدعون كعنصر إنساني جذاب، ثم يُهمَّشون لحظة انتهاء التصوير.
الأخطر من ذلك أن الصمت الذي رافق المشهد هو الذي فتح باب الفهم لدى الرأي العام.
لم يكن هناك توضيح، ولا محاولة لاستدراك الإحساس، فتركت الصورة تتكلم وحدها. والصورة، حين تُترك وحدها، لا تنقل النوايا، بل تنقل ما تراه العين فقط.
وما رأته العين هنا هو فجوة بين خطاب تربوي يُعلن أن الطفل في قلب الإصلاح، وسلوك عملي يوحي بأنه في هامشه.
القضية، في جوهرها، لا تتعلق بهدية ولا ببروتوكول، بل بدرس غير مكتوب.
درس يتعلّم فيه الأطفال، دون شرح أو توضيح، كيف تُدار العلاقة مع المسؤول، وأين تقف مبادرتهم في سلّم الاهتمام.
وفي زمن الصورة السريعة، تصبح هذه الرسائل الصامتة أقوى من الخطب والبلاغات، وأكثر رسوخًا في الذاكرة.
لهذا، فالسؤال الحقيقي ليس: هل كان هناك رفض أم لا؟
بل: ماذا تعلّم الطفل من هذه اللحظة؟
وهنا، للأسف، يبدو أن الدرس كان خارج المقرر… لكنه بالغ التأثير.
