تعود الحكومة، مع كل نهاية سنة، إلى لعبتها المفضلة: اقتصاد البلاغات.
أرقام مصطفّة بعناية، مؤشرات يُقال إنها “تتحسن”، ومذكرة ظرفية صادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية تُقدَّم كما لو أنها شهادة حسن سلوك للاقتصاد الوطني.
غير أن هذا التحسن المعلن لا يرى منه المواطن سوى العناوين العريضة.
يُروَّج لموسم فلاحي “مبشّر” استنادًا إلى بلوغ نسبة ملء السدود 34,7 في المئة بتاريخ 24 دجنبر، مع تسجيل نمو صادرات منتجات الفلاحة والغابات والصيد البحري بنسبة 7,3 في المئة.
وتُطرح أسئلة مباشرة:
إذا كانت الفلاحة بخير، لماذا يواصل الغذاء ارتفاعه في الأسواق؟
وإذا كان الموسم واعدًا، لماذا يظل الفلاح الصغير أول من يُقصى من الدعم، وأول من يُترك تحت رحمة الوسطاء وسلاسل التسويق المختلّة؟
في القطاع الصناعي، تُسجَّل مؤشرات توصف بالإيجابية.
الصناعات التحويلية حققت نموًا بنسبة 2,2 في المئة خلال الفصل الثالث بعد 7 في المئة في الفصل الثاني، بينما سجل القطاع الاستخراجي نموًا بـ7,4 في المئة بعد 16,8 في المئة.
ويظل السؤال مطروحًا:
ما حجم القيمة المضافة الحقيقية؟ وهل يخلق هذا النمو شغلًا قارًا ومستقرًا؟
السياحة تحطم الأرقام القياسية وتحصل على أعلى تنقيط في شهادة حسن السلوك.
عدد الوافدين ارتفع بـ14 في المئة حتى نهاية نونبر، وعدد ليالي المبيت بـ9 في المئة، بينما قفزت المداخيل السياحية بـ16,7 في المئة.
غير أن السؤال يفرض نفسه:
أي سياحة هذه؟ سياحة تملأ الفنادق أم تملأ الموائد؟
يُقال إن استهلاك الأسر ينمو، مدعومًا بتضخم سلبي بلغ –0,3 في المئة خلال شهر نونبر.
وفي المقابل، ارتفعت قروض الاستهلاك بـ4,5 في المئة.
ويبقى السؤال:
هل تتحسن القدرة الشرائية فعلًا، أم يُرحَّل الضغط الاجتماعي إلى المستقبل مقابل الفائدة؟
في سوق الشغل، جرى الإعلان عن إحداث 220 ألف منصب شغل مأجور خلال الفصل الثالث من 2025.
وتُطرح أسئلة مرافقة:
كم منها مناصب قارة؟
وكم منها مؤقتة أو منخفضة الأجر؟
وكم تتركز في قطاعات هشّة لا توفر حماية اجتماعية حقيقية؟
الاستثمار العمومي يسجل أرقامًا مرتفعة.
نفقات تجهيز الميزانية العامة ارتفعت بـ16,9 في المئة حتى نهاية نونبر، وسجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة نموًا بـ28,2 في المئة، وواردات معدات التجهيز بـ15,2 في المئة، وقروض التجهيز بـ21,9 في المئة.
ويظل السؤال مفتوحًا: من يستفيد فعليًا من هذه الدينامية؟
حتى التجارة الخارجية، رغم بعض التحسن في الصادرات، لم تغيّر الصورة العامة.
الصادرات ارتفعت بـ2,6 في المئة حتى نهاية أكتوبر، مدفوعة أساسًا بارتفاع صادرات الفوسفاط ومشتقاته (+16,7 في المئة) وصناعة الطيران (+8,3 في المئة).
في المقابل، ارتفعت الواردات بـ9,4 في المئة، وتفاقم العجز التجاري بـ19,6 في المئة، وتراجع معدل التغطية إلى 56,5 في المئة.
والحصيلة تُطرح سؤالًا:
كيف يُعلن النصر، والعجز يتسع؟
المشكل ليس في الأرقام، بل في استعمالها كشهادة حسن سلوك جاهزة لإغلاق النقاش.
اقتصاد يُدار بمنطق “دبّرو راسكم”، ويُسوَّق بمنطق “العام زين”.
هذا ليس اقتصاد تعافٍ.
هذا اقتصاد تزيين الواجهة، بينما الواقع بلا تنقيط، والأساس متشقق.
ويبقى السؤال الذي لا تجرؤ المذكرات الرسمية على طرحه:
إلى متى سنُقاس بالأرقام… لا بالأثر؟
