A Known Scandal… Subsidized Meat: Who Bears Responsibility for Risking Moroccans’ Health?
لم يكن التحقيق القضائي الذي أطلقته السلطات في البرازيل سنة 2017 حول اختلالات خطيرة في قطاع اللحوم مجرد واقعة داخلية عابرة، بل شكّل لحظة كاشفة لهشاشة منظومات الرقابة الغذائية في واحدة من أكبر الدول المصدِّرة للحوم في العالم.
فقد اعترفت البرازيل، عبر القضاء، بوجود خروقات شملت التفتيش الصحي، والرشاوى، وتمرير منتجات غير مطابقة للمعايير، ما أحدث صدمة دولية أعادت طرح سؤال الثقة في سلاسل التوريد الغذائية العابرة للحدود.
هذا التحقيق لم يكن موجَّهًا ضد دول بعينها، ولم يصدر عنه أي اتهام مباشر للأسواق المستوردة، لكنه وضع هذه الأخيرة أمام مسؤولية واضحة: إما تشديد الرقابة، أو تحمّل كلفة الثقة العمياء. لذلك سارعت دول كبرى، مثل الاتحاد الأوروبي والصين وتشيلي، إلى تعليق الاستيراد مؤقتًا أو تقييده، قبل أن تعود إليه لاحقًا بشروط أكثر صرامة، شملت تقليص عدد المورّدين، وفرض فحوص إضافية، ومساطر تتبع أدق.
في المغرب، يكتسي هذا السياق بعدًا خاصًا.
فالبلاد لم تكن تاريخيًا سوقًا مستورِدة للحوم بهذا الحجم، بل اعتمدت لعقود على إنتاجها الداخلي. غير أن تراجع القطيع الوطني، وتوالي سنوات الجفاف، وفشل السياسات الفلاحية في تأمين حدٍّ أدنى من السيادة الغذائية، دفعت الدولة إلى خيار اضطراري: فتح باب الاستيراد على نطاق واسع لتغطية حاجيات السوق وضبط الأسعار.
وهنا تكمن المفارقة.
فالمغرب دخل متأخرًا إلى سوق دولية معقّدة، في ظرفية استعجالية، وبمنظومة رقابية لم تُختبر سابقًا على هذا المستوى من الضغط.
ورغم ذلك، عاد خلال السنوات الأخيرة إلى استيراد اللحوم البرازيلية بكثافة، مرفقًا هذا الخيار بإعفاءات جمركية وضريبية، ودعم مباشر وغير مباشر، قُدِّم للرأي العام باعتباره إجراءً اجتماعيًا لحماية القدرة الشرائية.
غير أن السؤال الذي ظل بلا جواب ليس: لماذا استورد المغرب؟ بل: كيف استورد؟ وبأي ضمانات؟
فحين تعترف دولة مُصدِّرة بوجود خروقات بنيوية في قطاع غذائي حساس، يصبح من البديهي أن تُرفق العودة إلى الاستيراد بتوضيحات للرأي العام: ما الذي تغيّر؟ هل شُدِّدت شروط المراقبة؟ هل فُرضت فحوص إضافية؟ وهل نُشرت نتائج التحاليل المخبرية للشحنات الموجَّهة إلى السوق الوطنية؟
قد يُقال إن التحقيق البرازيلي يعود إلى سنة 2017، وإن استحضاره اليوم غير ذي معنى.
غير أن هذا الاعتراض يُخطئ جوهر النقاش. فالقضية لا تتعلق بزمن الواقعة، بل بدروسها. فالخلل البنيوي لا يسقط بالتقادم، بل يظل حاضرًا كلما استمر التعامل مع المصدر نفسه.
والسؤال الحقيقي ليس: متى وقع التحقيق؟ بل: ماذا تغيّر بعده؟
ثم إن القول بأن المغرب “عاد” إلى الاستيراد لاحقًا لا يُغلق الملف، بل يضاعف المسؤولية.
فالعودة بعد اعتراف قضائي بالخروقات تقتضي تشديدًا مضاعفًا للرقابة، لا الاكتفاء بالحد الأدنى من الإجراءات.
أما العودة الصامتة، دون تقارير منشورة أو معطيات شفافة، فلا تُطمئن، بل تُراكم الشك، خاصة حين يتعلق الأمر بصحة المواطنين.
إلى اليوم، لا تتوفر معطيات عمومية مفصلة حول مسار المراقبة من الموانئ إلى الأسواق، ولا حول نتائج الفحوص المخبرية، ولا حول هوامش الربح في ظل دعم عمومي يُفترض أن ينعكس على الأسعار. هذا الغموض لا يمكن اعتباره تفصيلاً تقنيًا، بل خللًا في الحكامة الغذائية. فالمواطن لا يملك وسيلة للتحقق مما يُقدَّم له، ولا خيارًا سوى الثقة في أن الدولة قامت بواجبها كاملًا.
إن استحضار التحقيق البرازيلي في هذا السياق ليس تشهيرًا ولا اتهامًا، بل مساءلة مشروعة لنموذج التدبير. نموذج اختار الاستعجال بدل الشفافية، ووفرة العرض بدل طمأنة المستهلك.
فالأمن الغذائي لا يُقاس بعدد السفن التي ترسو في الموانئ، بل بمدى يقظة الدولة وهي تضع صحة مواطنيها فوق كل اعتبار.
وحين تعترف دولة مُصدِّرة بالخروقات، ويختار بلد مستورد الدخول إلى السوق بالصمت، يصبح الصمت موقفًا سياسيًا في حد ذاته موقف يطرح سؤالًا بسيطًا لكنه ثقيل الدلالة:
من يحمي المواطن حين يُدار غذاؤه بمنطق البلاغ… لا بمنطق المحاسبة؟
