بقلم: الحيداوي عبد الفتاح
مقدمة: إشكالية الصمت المتأخر
يعد كتاب «عائد من المشرحة» للكاتب المغربي أحمد الجوحي، الصادر عام 2021، نصًا مفصليًا في تاريخ الذاكرة السياسية المغربية.
فهو لا يمثل مجرد سيرة ذاتية لمعتقل سابق من تيار الشبيبة الإسلامية، بل يؤسس لـ«أدب سجون» إسلامي ظل غائبًا أو مؤجلا لعقود في سياق هيمنت فيه سرديات اليسار الراديكالي على توثيق تجربة الاعتقال السياسي في فترة «سنوات الرصاص».
تكمن أهمية العمل في أنه يفتح جرحًا مسكوتًا عنه حول الذاكرة الانتقالية في المغرب: لماذا تأخر البوح لدى معتقلي التيار الإسلامي، وتحديدًا أبناء الشبيبة الإسلامية، مقارنة بنظرائهم اليساريين الذين تقاسموا معهم نفس الزنازين والمحنة؟ إن هذا التأخر الذي دام أكثر من ثلاثة عقود بعد موجة الاعتقالات الكبرى في السبعينيات والثمانينيات، ليس مجرد ظاهرة أدبية، بل هو نتاج تفاعل معقد بين العوامل الثقافية، والتنظيمية، والسياق السياسي الذي حكم علاقة الحركة الإسلامية بالدولة والمجتمع.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل كتاب الجوحي بوصفه نقطة انطلاق، وتفكيك الأسباب العميقة الكامنة وراء هذا الصمت الطويل.
أولًا: أدب السجون المغربي بين الهيمنة اليسارية والغياب الإسلامي
شهدت المكتبة المغربية منذ مطلع التسعينيات تحولًا نوعيًا في علاقتها بالذاكرة السياسية، تمثل في تدفق كثيف للمذكرات والسير الذاتية التي وقفت لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان داخل فضاءات الاعتقال السري والعلني، مثل تازمامارت ودرب مولاي الشريف وقلعة مكونة وغيرها من الجغرافيا القمعية التي وسمت ما اصطلح عليه لاحقًا بـ«سنوات الرصاص».
وقد أسهمت هذه الكتابات في تشكل ما يمكن تسميته بـ«أدب السجون»، بوصفه أرشيفًا سرديًا موازيًا للتاريخ الرسمي، لا يكتفي بسرد المعاناة الفردية، بل يعيد تركيب العلاقة بين الدولة والمجتمع من زاوية الضحية، ويمنح للصوت المقموع شرعية الظهور والبوح.
غير أن الملاحظة المركزية التي تفرض نفسها عند قراءة هذا المتن هي أن أبطاله الرئيسيين في مرحلته التأسيسية كانوا في الغالب من رموز اليسار الراديكالي، سواء ممن عاشوا تجربة الاعتقال مباشرة أو ممن أعادوا صياغتها أدبيًا كما في أعمال الطاهر بنجلون، وأحمد المرزوقي، وعبد اللطيف اللعبي، حيث هيمنت اللغة الفرنسية في البداية، قبل أن تنتقل التجربة إلى العربية تدريجيًا، وكان أحد شروطها الثقافية والاستباقية، مستفيدة من مناخ سياسي جديد سمح بإعادة فتح جراح الماضي ضمن أفق المصالحة والعدالة الانتقالية.
لقد جاء هذا البوح اليساري المبكر متزامنًا مع صعود «حركة الضحايا» وبروز خطاب حقوقي قوي، تُوج لاحقًا بهيئة الإنصاف والمصالحة، وهو ما منح هذا التيار أسبقية رمزية ومعرفية في صياغة السردية الوطنية حول سنوات القمع، بل وفي
احتكار تمثيل الضحية السياسية داخل الذاكرة الجماعية. فالضحية، في المخيال العمومي، أصبحت تستدعي غالبًا ملامح يسارية، ومرجعية نضالية محددة، الأمر الذي أدى، بشكل غير معلن، إلى تهميش تجارب أخرى لا تقل قسوة ولا كثافة، وفي مقدمتها تجربة المعتقلين الإسلاميين.
فهؤلاء، رغم تعرضهم لموجات اعتقال قاسية منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ثم بشكل أوسع بعد تفجيرات 2003، ظل صوتهم السردي خافتًا، إن لم يكن غائبًا تمامًا عن فضاء النشر والاعتراف.
لا يمكن تفسير هذا الغياب فقط بعامل المنع أو القمع، بل يرتبط أيضًا بعوامل ثقافية وسياسية مركبة، منها هيمنة الرؤية المجتمعية تجاه الإسلاميين، وغياب وسائط حقوقية تتبنى قضاياهم، إضافة إلى تصور داخلي لدى جزء منهم يعتبر السجن «ابتلاء» لا مادة للبوح العمومي، أو يخشى أن يتحول السرد إلى اعتراف يُستثمر أمنيًا أو سياسيًا ضدهم. لذلك، حين ظهر نص مثل «عائد من المشرحة» لأحمد الجوحي بعد 2010، بدا كأنه كسر متأخر لجدار الصمت، وفتح نافذة على تجربة ظلت لسنوات طويلة خارج التمثيل الأدبي والحقوقي، رغم أنها تنتمي إلى السياق نفسه من حيث منطق العنف والانتهاك.
إن تأخر البوح الإسلامي لا يعني غياب المعاناة، بل يكشف عن اختلال عميق في توازن الذاكرة الوطنية، حيث لم تُتح لكل الضحايا شروط متكافئة للسرد والاعتراف.
كما يطرح أسئلة نقدية حول أدب السجون نفسه: هل هو تعبير إنساني شامل عن تجربة القهر؟ أم أنه تحول، جزئيًا، إلى مجال يُعاد فيه إنتاج الهيمنة الرمزية وفق خطوط أيديولوجية؟ إن إعادة إدماج السرديات الإسلامية في هذا الأرشيف ضرورة معرفية وأخلاقية لاستكمال صورة الماضي، وفهم آليات القمع في شموليتها، بعيدًا عن الانتقائية والذاكرة المجزأة. فبدون هذا التعدد السردي، ستظل «سنوات الرصاص» تُروى بنصف صوت، وسيبقى أدب السجون، رغم قوته، أدبًا ناقص التمثيل.
ثانيًا: «عائد من المشرحة» ككسر للصمت وتأسيس للذاكرة
يأتي كتاب أحمد الجوحي ليملأ هذا الفراغ التاريخي. الجوحي، الذي اعتقل عام 1983 وحكم عليه بالإعدام وقضى حوالي ستة عشر سنة في «حي الإعدام» بالسجن المركزي بالقنيطرة قبل الإفراج عنه عام 1998، يقدم شهادة مباشرة عن التجربة القاسية.
أهمية كتاب الجوحي تكمن في ثلاثة أبعاد:
التوثيق من الداخل: يقدم الكتاب تفاصيل دقيقة عن ممارسات التعذيب في درب مولاي الشريف، وعن الحياة في سجن الإعدام، وهي أماكن ومراحل لم يسبق أن وثقها الإسلاميون بنفس القدر من التفصيل والجرأة.
الوعي بالإشكالية: النص ليس مجرد سرد، بل هو نص واعٍ بذاته، حيث يطرح ضمنيًا سؤال تأخر البوح، ويدعو إلى ذاكرة وطنية غير انتقائية تقبل شهادات جميع الضحايا، بغض النظر عن خلفياتهم الإيديولوجية.
النقد التنظيمي: يتجاوز الجوحي نقد السلطة إلى نقد الذات التنظيمية.
ثالثًا: الأسباب السوسيولوجية والسياسية لتأخر البوح الإسلامي
يمكن إرجاع ظاهرة تأخر البوح لدى معتقلي الشبيبة الإسلامية إلى مجموعة من العوامل المتشابكة التي تختلف عن تلك التي واجهها اليساريون:
- العامل الثقافي والإيديولوجي: ثقافة الصبر والاحتساب
على عكس اليسار الذي تبنى خطابًا حقوقيًا وسياسيًا يرى في البوح والكتابة فعلًا نضاليًا ومطلبًا للعدالة، كان التيار الإسلامي أسيرًا لثقافة الاحتساب والكتمان؛ سادت ثقافة ترى في المعاناة في سبيل الدعوة نوعًا من الاحتساب (طلب الأجر من الله)، ما جعل البوح بالآلام الشخصية يبدو وكأنه شكوى أو ضعف يتنافى مع الصبر المطلوب.
التركيز على الدعوة: كان الهدف الأساسي للحركة الإسلامية هو الدعوة والعمل التنظيمي، وليس الإنتاج الأدبي أو الفني. كانت الكتابة عن السجن تُعتبر أحيانًا انشغالًا ثانويًا أو حتى ترفًا، بينما كان اليسار يرى في الكتابة جزءًا أصيلًا من نضاله الثقافي والسياسي. - العامل التنظيمي والسياسي: السرية والحسابات الداخلية
كانت الشبيبة الإسلامية تنظيمًا سريًا، وهذا فرض قيودًا تنظيمية صارمة على أعضائه:
السرية التنظيمية: كان البوح يعني الكشف عن أسرار التنظيم، وعن أسماء الأعضاء، وعن طبيعة العمليات، ما كان يُشكل خطرًا حقيقيًا على التنظيم نفسه وعلى المعتقلين المفرج عنهم.
الخوف من النقد الداخلي: كما أشار الجوحي، فإن قيادات التنظيم كانت تعيش في الخارج، وكان البوح سيكشف عن التناقضات بين القيادة والقاعدة. هذا الخوف من النقد الذاتي العلني أدى إلى تفضيل الصمت التنظيمي.
التحول السياسي: بعد الإفراج عن المعتقلين، انخرط جزء كبير من التيار الإسلامي في العمل السياسي العلني (مثل حزب العدالة والتنمية)، ما فرض عليهم حسابات جديدة تقتضي طي صفحة الماضي والتركيز على الاندماج السياسي والاجتماعي، بينما كان اليسار قد أنهى مرحلة النضال السري قبل ذلك بوقت طويل. - العامل السوسيولوجي: غياب الدعم الثقافي والإعلامي
حظي أدب السجون في المغرب كما تبلور أساسًا داخل التجربة اليسارية بشروط موضوعية وثقافية ساعدت على بروزه وانتشاره، جعلته يتحول من مجرد شهادات شخصية إلى ظاهرة أدبية وحقوقية ذات صدى وطني ودولي.
فقد كان التيار اليساري مندمجًا تاريخيًا في الحقل الثقافي والإعلامي المهيمن، ومتصلًا بشبكات النشر الفرنكوفونية داخل المغرب وخارجه، خصوصًا في فرنسا وبلجيكا، وهو ما أتاح لأعماله أن تجد طريقها بسهولة إلى دور النشر وإلى الترجمة والتداول الإعلامي وإلى التوظيف الحقوقي والسياسي في سياق دولي حساس لقضايا “سنوات الرصاص”.
لم يكن السجن، في هذا السياق، مجرد تجربة قمعية فردية، بل مادة للنضال الرمزي، وأداة لإعادة الاعتبار للفاعل اليساري بوصفه ضحية سياسية، وصوتًا أخلاقيًا يتكلم باسم المجتمع.
انعكس هذا الموقع الثقافي للنخبة اليسارية على طبيعة الكتابة ذاتها؛ إذ اتخذت المذكرات والسير الذاتية طابعًا نقديًا واضحًا، واستثمرت أدوات السرد الأدبي الحديثة، وراكمت وعيًا جماليًا جعل النص السجني جزءًا من الأدب لا مجرد وثيقة. كما أن الهدف من الكتابة لم يكن محصورًا في البوح الذاتي، بل كان مشدودًا إلى التوثيق السياسي، وإلى فضح آليات القمع، وإلى المساهمة في بناء خطاب حقوقي منسجم مع المرجعيات الكونية لحقوق الإنسان، وهو ما سهل احتضان هذه الأعمال من قبل النخب الثقافية والإعلامية، وجعلها تحظى بشرعية رمزية واسعة.
في المقابل، تشكل أدب السجون الإسلامي في سياق مغاير تمامًا، سواء من حيث المرجعية الثقافية أو من حيث شروط الإنتاج والتلقي.
فقد ظل التيار الإسلامي، لفترة طويلة، خارج المشهد الثقافي والإعلامي المهيمن، بل في حالة توتر بنيوي معه، ما جعله يفتقر إلى قنوات النشر والدعم والترويج.
كانت المرجعية العربية-الدينية، ذات الطابع الدعوي والوعظي، هي الإطار الغالب على الكتابة الإسلامية، الأمر الذي جعل النصوص الأولى أقرب إلى الشهادة الإيمانية والاحتساب الأخلاقي منها إلى العمل الأدبي أو التوثيق السياسي المنهجي.
كما أن الهدف من الكتابة لم يكن موجهًا نحو الرأي العام أو نحو الفضاء الحقوقي، بقدر ما كان موجهًا إلى “الجماعة”، وإلى إعادة شحن الهمم وتثبيت المعاني العقدية والصبر على الابتلاء.
زاد من تعقيد هذا الوضع انغلاق النخب الإسلامية نسبيًا داخل بنياتها التنظيمية، وضعف اندماجها في الحقول الثقافية والفنية، وغياب مؤسسات قادرة على تبني هذا اللون من الشهادات وتحويله إلى مشروع سردي جماعي.
فغالبًا ما ظل البوح تجربة فردية مؤلمة، مؤجلة، محاطة بالحذر والخوف من التأويل الأمني أو التنظيمي، ما جعل أدب السجون الإسلامي يتأخر زمنيًا، ويتسم بالتشتت، ويعاني من ضعف التراكم الفني والجمالي مقارنة بنظيره اليساري.
بهذا المعنى، لا يمكن فهم الفارق بين أدب السجون اليساري والإسلامي فقط من خلال اختلاف التجارب داخل المعتقل، بل أساسًا من خلال اختلاف الموقع داخل الحقل الثقافي، وطبيعة العلاقة مع النخبة والإعلام، والوظيفة المتوخاة من الكتابة ذاتها.
فبينما تحول أدب السجون اليساري إلى أداة للنضال الرمزي وفضاء للاعتراف الثقافي، ظل أدب السجون الإسلامي أسيرًا لحدود الدعوة والاحتساب، ومترددًا في اقتحام المجال الأدبي والحقوقي الواسع، وهو ما يفسر تأخره وضعف حضوره، لا من حيث القيمة الإنسانية للتجربة، بل من حيث شروط إنتاج المعنى وتداوله داخل المجتمع.
والمسألة خارج التعميم لأننا نتحدث عن زمن مفصلي «سنوات الرصاص».
الذاكرة الشاملة ومستقبل أدب السجون
يمثل كتاب «عائد من المشرحة» لأحمد الجوحي أكثر من مجرد شهادة متأخرة؛ إنه دعوة لإعادة النظر في السردية الوطنية حول «سنوات الرصاص» وإدماج التجربة الإسلامية فيها.
إن تأخر البوح لم يكن ناتجًا عن غياب المعاناة، بل عن مجموعة من القيود الثقافية والتنظيمية والسياسية التي أدت إلى تفضيل الصمت على الكلام.
يكتسب هذا المسار بعدًا إضافيًا مع الإعلان عن كتابة الجوحي الثانية، الذي يوجد تحت الطبع، والذي يتناول اللغة السجنية بوصفها إنتاجًا ثقافيًا خاصًا، تشكل داخل الفضاء العقابي.
هنا ينتقل الجوحي من الذاكرة إلى التحليل، ومن الألم الشخصي إلى تفكيك الخطاب، بما يؤسس لحقل بحثي مهم في دراسة السجن بوصفه فضاء لغويًا ورمزيًا، ويؤكد أن مرحلة الصمت قد انتهت.
الذاكرة الوطنية لا يمكن أن تكتمل إلا بسماع كل الأصوات، وهذا العمل يضع اللبنة الأولى لـ«أدب سجون إسلامي» قد يثري المشهد الثقافي المغربي ويساهم في تحقيق مصالحة حقيقية مع التاريخ، تقتضي الاعتراف بجميع الضحايا دون فرز إيديولوجي.
