The Middle Class in Nadia Fettah Alaoui’s Discourse: Recognition Without Definition
خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين يوم الاثنين 30 دجنبر، قدّمت نادية فتاح العلوي جوابًا حول وضعية الطبقة الوسطى، وصفت فيه توسيع هذه الفئة وتعزيز استقرارها بأنه “تحدٍّ بنيوي” تواجهه الدولة، مؤكدة أن المغرب “لن يصل إلى المستوى الذي يطمح إليه دون طبقة وسطى واسعة، مرتاحة وناشئة”.
بهذا التوصيف، بدا الخطاب الرسمي واعيًا بمركزية الطبقة الوسطى في معادلة الاستقرار والتنمية، لكنه كشف، في الآن نفسه، عن غياب تعريف عملي واضح لهذه الفئة داخل منظومة السياسات العمومية.
وشددت الوزيرة على أن الإشكال لا يكمن في غياب السياسات الموجهة للطبقة الوسطى، بل في كونها “لا تحمل عنوانها بشكل مباشر”.
هذا الاعتراف، الذي يُفترض أن يبعث على الاطمئنان، يفتح في الواقع باب تساؤل مركزي: كيف يمكن قياس توسّع طبقة اجتماعية أو تقلّصها، في غياب تعريف إجرائي يحدّد حدودها، ويُمكّن من تتبع أثر السياسات العمومية عليها؟ في هذا السياق، تُستحضر الطبقة الوسطى كضرورة خطابية أكثر من كونها فئة محددة المعالم داخل أدوات التخطيط العمومي.
الحديث عن حماية القدرة الشرائية جاء مدعومًا برقم مالي ضخم، يتجاوز 110 مليارات درهم، خُصص لدعم عدد من المواد والخدمات.
غير أن هذا المعطى، رغم ثقله المالي، لا يجيب عن سؤال الاستهداف الاجتماعي.
فالدعم الأفقي، الذي يشمل فئات متباينة، يخفف من حدة الصدمات الظرفية، لكنه لا يعالج الأسباب البنيوية التي تجعل جزءًا متزايدًا من الأسر المتوسطة مهددًا بالانزلاق نحو الهشاشة، في ظل جمود الأجور وارتفاع كلفة المعيشة.
ربط استقرار الطبقة الوسطى بخلق فرص الشغل ينسجم مع منطق اقتصادي عام، غير أن الخطاب لم يتوقف عند طبيعة هذه الفرص وجودتها.
فالسوق الوطنية تُنتج، في جزء كبير منها، وظائف غير مستقرة وضعيفة الأجر، لا تتيح تراكمًا اقتصاديًا ولا توفر أفقًا واضحًا للترقي الاجتماعي.
وهنا يبرز التناقض بين هدف توسيع الطبقة الوسطى، وواقع سوق شغل يُعيد إنتاج الهشاشة بأشكال جديدة.
الإصلاح الضريبي، ولا سيما ما يتعلق بالضريبة على الدخل، قُدِّم بوصفه استجابة مباشرة لمعاناة الفئات المتوسطة من العبء الجبائي.
غير أن هذا الطرح يظل جزئيًا، ما دام لا يأخذ في الاعتبار الثقل المتزايد للضرائب غير المباشرة، التي تُصيب الأسر المتوسطة بنفس الحدة التي تُصيب بها الفئات الهشة، وتحدّ من الأثر الصافي لأي تخفيف ضريبي مباشر.
الإشارة إلى دعم السكن، باعتباره ورشًا أتاح لأول مرة استفادة أوسع للفئات المتوسطة، جاءت بدورها في إطار سرد إنجازي عام، دون تقييم دقيق للأثر الاجتماعي، في ظل استمرار ارتفاع أسعار العقار، وصعوبة الولوج إلى السكن في عدد من المجالات الحضرية، وتفاوت العرض بين المناطق.
وفي ملف تمويل المقاولات الصغيرة والمتوسطة، اعترف الخطاب الحكومي بوجود اختلالات هيكلية تتجاوز مسألة التمويل، من بينها ضعف رؤوس الأموال وعدم استقرار الموارد البشرية.
غير أن هذا الاعتراف، رغم أهميته، لم يُواكَب بتصور واضح حول كيفية تحويل هذه المقاولات إلى رافعة حقيقية لتوسيع الطبقة الوسطى، بدل الاكتفاء بدورها الحالي كمجال محدود لامتصاص البطالة.
أما بخصوص منظومة الطلبات العمومية، فقد قُدِّم ارتفاع عدد المقاولات المشاركة في الصفقات كمؤشر إيجابي.
غير أن التركيز على الأرقام، دون قراءة نوعية لمسارات هذه المقاولات واستدامة استفادتها، يترك السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان هذا التطور يعكس دمقرطة فعلية للولوج إلى الاستثمار العمومي، أم مجرد توسع شكلي داخل الدائرة الاقتصادية نفسها.
وفي ما يتعلق بالدعم الاجتماعي المباشر، أكد الخطاب الرسمي دقة الاستهداف عبر السجل الاجتماعي الموحد، مع تسجيل نسبة رفض محدودة.
غير أن الاعتراف بوجود حالات إقصاء مرتبطة بتقلب الدخل، خاصة في القطاعات الموسمية، يكشف عن وجود فئة وسطى “غير معرّفة”، لا تستفيد من الدعم، ولا تحظى بحماية كافية، وتبقى عرضة للتقلبات الاقتصادية.
في المحصلة، يكشف خطاب وزيرة الاقتصاد والمالية، كما قُدِّم داخل قبة مجلس المستشارين يوم 30 دجنبر، عن مفارقة واضحة: اعتراف صريح بأهمية الطبقة الوسطى، يقابله غياب تعريف عملي لها داخل السياسات العمومية.
وبين الاعتراف والتعريف، تظل هذه الفئة عالقة في منطقة رمادية، تُستحضر في الخطاب، لكنها لا تتحول بعد إلى محور صريح لسياسات مُعنونة، قابلة للقياس، ومحصّنة ضد التآكل الاجتماعي.
