أعاد التعديل الذي طال المادة 108 من مشروع قانون المسطرة الجنائية فتح نقاش قانوني وحقوقي واسع، بعد أن انتقل النص من تنظيم محدود للتنصت على المكالمات الهاتفية إلى إطار أشمل يتيح اعتراض مختلف أشكال الاتصالات الرقمية الحديثة.
ويعكس هذا التحول، في ظاهره، سعي المشرّع إلى ملاءمة القواعد الإجرائية مع التحولات العميقة التي عرفها مجال التواصل، وتنامي استعمال الوسائط الرقمية في ارتكاب أفعال إجرامية.
في صيغتها السابقة، كانت المادة 108 تحصر إجراءات الاعتراض في المكالمات الهاتفية الصوتية، وهو ما كان يقيّد قدرة السلطات القضائية على تتبع الجرائم المرتكبة عبر الفضاء الرقمي، خاصة تلك التي تعتمد الرسائل النصية، أو البريد الإلكتروني، أو تطبيقات التواصل الحديثة.
أما الصيغة المعدّلة، فقد وسّعت نطاق الاعتراض ليشمل مختلف أشكال التواصل الرقمي، بما في ذلك المكالمات الصوتية والمرئية عبر الإنترنت، وتطبيقات التراسل الفوري، وشبكات التواصل الاجتماعي.
ويمنح هذا التوسيع السلطات القضائية أدوات أوسع لمواجهة الجرائم المرتبطة بالفضاء الرقمي، في سياق يتسم بتعقّد وسائل الاتصال وصعوبة تعقبها بالآليات التقليدية، لا سيما مع تطور أساليب إخفاء الهوية وتسارع وتيرة تداول المعطيات الرقمية.
ومن بين أبرز المستجدات التي جاء بها التعديل، توسيع دائرة الجهات القضائية المخولة باتخاذ إجراءات الالتقاط، لتشمل وكلاء الملك المكلفين بالجنح، إلى جانب قضاة التحقيق والوكلاء العامين.
ويُفترض أن يساهم هذا الإجراء في تسريع المساطر وتعزيز النجاعة القضائية، خصوصًا في القضايا التي تتطلب تدخلًا عاجلًا للحفاظ على الأدلة الرقمية قبل ضياعها أو إتلافها.
كما شمل التعديل توسيع نطاق الجرائم المعنية بإجراءات اعتراض الاتصالات، بعدما انتقل المشرّع من لائحة محددة من الجنح والجنايات إلى صياغة عامة تشمل جميع الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي، مع اعتماد مفهوم “الجنحة المرتبطة أو غير القابلة للتجزئة”. وهي صيغة تفتح هامشًا واسعًا للتأويل، وقد تتيح إدراج أفعال متعددة ضمن نطاق المراقبة، حتى وإن لم تُذكر صراحة في النص.
غير أن هذا التوسع، ورغم مبرراته المرتبطة بمحاربة الجريمة الحديثة، يثير في المقابل تخوفات جدية على مستوى حماية الحياة الخاصة وصون الحقوق والحريات الفردية. فاعتراض الاتصالات الرقمية لا يقتصر على تتبع فعل إجرامي محتمل، بل قد يمتد عمليًا إلى معطيات شخصية وحياتية حساسة، ما يجعل من هذه الإجراءات تدابير استثنائية تستوجب ضوابط دقيقة.
وتبرز في هذا السياق أهمية الرقابة القضائية الصارمة واحترام مبدأ التناسب، باعتبارهما شرطين أساسيين لتفادي أي انزلاق في استعمال هذه الصلاحيات، وضمان عدم تحويل الاستثناء القانوني إلى قاعدة تمس جوهر الحق في الخصوصية.
ويضع هذا التحول التشريعي المنظومة القضائية أمام معادلة دقيقة: تحقيق النجاعة في مواجهة الجرائم الرقمية من جهة، وصون الحقوق الأساسية للأفراد من جهة أخرى.
وهي معادلة لن تُحسم بنص القانون وحده، بل بكيفية تطبيقه، وبمدى التزام الممارسة القضائية بضبط الاستثناء وعدم توسيعه خارج مبرراته القانونية.
