يثير غياب أي بيان رسمي عن المغرب بخصوص التطورات التي تعرفها فنزويلا تساؤلات متعددة حول دلالات هذا الصمت وحدوده.
فبينما تتوالى المواقف الدولية، وتتنافس العواصم على حجز موقع داخل مشهد إقليمي ودولي شديد التعقيد، اختارت الرباط التزام التحفظ، دون توضيح، أو حتى اعتماد صيغة دبلوماسية عامة من تلك التي تُستعمل عادة للتعبير دون الاصطفاف.
هذا الغياب لا يمكن التعامل معه كمسألة بروتوكولية عابرة، بل كمعطى سياسي قائم بذاته. فالدبلوماسية لا تُقاس فقط بما يُقال، بل أيضًا بما يُختار عدم قوله، خاصة حين يكون الصمت أقل كلفة من أي موقف معلن، أو عندما لا يفرض السياق مصلحة مباشرة تستدعي التدخل.
ولفهم هذا الاختيار، لا بد من استحضار الخلفية الحقيقية للعلاقة بين الرباط وكاراكاس، وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية.
فقد كانت فنزويلا من أوائل الدول في أمريكا اللاتينية التي اعترفت بجبهة البوليساريو، وساندت أطروحة “الجمهورية الصحراوية”، خصوصًا خلال فترة صعود التيار اليساري الراديكالي الذي تبنّى خطاب “مناهضة الإمبريالية” وصنّف المغرب ضمن محور الحلفاء التقليديين للغرب.
ولم يكن هذا الموقف رمزيًا أو عابرًا، بل تُرجم إلى مواقف داخل المحافل الدولية، جاءت في اتجاه مناقض لطرح الرباط بشأن وحدتها الترابية.
ومن زاوية الرباط، اعتُبر هذا الاصطفاف مساسًا مباشرًا بقضية سيادية، لا يمكن احتواؤه ببلاغ دبلوماسي ولا تجاوزه بزيارة بروتوكولية.
ونتيجة لذلك، دخلت العلاقات الثنائية مرحلة جمود طويل، اتسمت بتمثيل دبلوماسي محدود، وغياب زيارات رفيعة المستوى، وانعدام أي تعاون سياسي أو اقتصادي يُذكر، ما جعل العلاقة قائمة على الحد الأدنى من التواصل دون أي دينامية قادرة على تراكم الثقة.
وزاد من تعميق هذا الفتور ارتباط فنزويلا بمحاور إقليمية ودولية تُبقي على المقاربة نفسها من ملف الصحراء المغربية، سواء بشكل مباشر أو عبر تحالفات سياسية داخل أمريكا اللاتينية.
وهو ما دفع الرباط إلى التعامل مع كاراكاس بمنطق “إدارة الخلاف” بدل “تطوير العلاقة”، في ظل غياب أرضية سياسية مشتركة تسمح ببناء شراكة ذات معنى.
في هذا السياق، يصبح الصمت الذي اختارته الرباط تجاه ما يجري اليوم في فنزويلا قابلًا للفهم.
فالدولة التي ترى أن الطرف المقابل يصطف في ملف الصحراء المغربية ضد وحدتها الترابية، ولا تجمعه بها مصالح استراتيجية مؤثرة، ليست بالضرورة معنية بإصدار موقف علني عند كل تطور داخلي هناك، خاصة عندما يكون الملف محاطًا باستقطاب دولي حاد.
كما لا يمكن فصل هذا الموقف عن السياق الدولي الأوسع، حيث تتقاطع الأزمة الفنزويلية مع صراعات نفوذ بين قوى كبرى.
وفي مثل هذه الملفات، تميل الرباط إلى سياسة التحفظ والتريث، تفاديًا للدخول في اصطفافات لا تخدم مصالحها، أو لتحويل ملف لا يحمل رهانًا مباشرًا إلى عبء دبلوماسي إضافي.
في السياسة الخارجية، لا يُقاس الموقف دائمًا بما قيل، بل أحيانًا بما لم يُقل. والصمت الذي تبنّته الرباط هنا لا يبدو ارتباكًا ولا حيادًا أخلاقيًا، بل إدارة باردة للمسافة: إبقاء الملف خارج دائرة الأولويات، وتفادي تحويله إلى التزام سياسي بلا مقابل، في علاقة منخفضة السقف، تشكّل فيها الصحراء المغربية العامل الأكثر حسمًا في رسم حدودها.
