كشفت مصادر إعلامية عن حالة احتقان متصاعدة داخل مجلس مدينة الرباط، بسبب ما وُصف بالتدبير الانتقائي لملف السفريات الخارجية، في عهد عمدة المدينة فتيحة المودني، وهو ملف أثار غضب مكونات من الأغلبية، بعد احتكار العمدة ومقربين منها، ينتمون لحزب التجمع الوطني للأحرار، لحصة الأسد من هذه المهام.
وحسب المعطيات التي أوردها موقع نيشان، فقد بلغ الجدل داخل المجلس حد تشبيهه بـ“وكالة أسفار”، في ظل استفادة نائب للعمدة من سفريات متتالية، جرى تمويلها من ميزانية المجلس، مرفوقة بتعويضات يومية طيلة مدة الإقامة، دون تقديم ما يثبت طبيعة المهام المنجزة أو مردودها على مستوى مصالح المدينة.
وأثار الملف مزيداً من التوتر بعد تسجيل استفادة موظفة مقربة من رئاسة المجلس من سفريات تحت غطاء “العلاقات الدولية”، وهو ما دفع عدداً من المستشارين، من داخل الأغلبية نفسها، إلى المطالبة بالكشف عن لائحة المستفيدين، ووضع حد لما اعتبروه توزيعاً غير عادل لامتيازات ممولة من المال العام.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن مجلس جماعة الرباط برمج، منذ انتخاب المودني خلفاً لأسماء اغلالو، عشرات السفريات نحو دول أوروبية وآسيوية وإفريقية وأمريكية، دون أن يقدّم أغلب المستفيدين أي تقارير رسمية تشرح طبيعة اللقاءات أو النتائج المحققة، كما تقتضيه أبسط قواعد الحكامة والتدبير الإداري.
وانتقد عدد من المستشارين طبيعة هذه السفريات وتوقيتها وجدواها، متسائلين عن المهام التي جرى القيام بها في بعض الوجهات، خاصة بعد أن كلّفت ميزانية المجلس عشرات الملايين من السنتيمات، في تجاهل واضح لدورية صادرة عن وزارة الداخلية تدعو إلى تقليص نفقات السفريات وربطها بالضرورة والنتائج الملموسة.
ويؤكد منتقدو هذا المسار أن الإشكال لا يكمن في مبدأ السفر في حد ذاته، بل في غياب المعايير والشفافية، وتحويل ما يفترض أن يكون وسيلة لنقل التجارب والخبرات إلى امتيازات فردية، لا يترتب عنها أي أثر تنموي أو مؤسساتي.
وفي هذا السياق، وُجهت انتقادات مباشرة إلى العمدة بسبب ما اعتُبر سكوتاً غير مبرر عن هذا الملف، رغم توزّع السفريات بين أربع قارات، واستفادة بعض المستشارين منها لأغراض وُصفت بالسياحية، دون تقديم تقارير أو عرض نتائج أمام المجلس.
وأعاد هذا الجدل إلى الواجهة نقاشاً قديماً حول ملف السفريات داخل الجماعات الترابية، حيث سبق أن أثير، خلال ولايات سابقة، انتقادات واسعة، بعد الكشف عن حصر الاستفادة في فئة بعينها، توصف بكونها قريبة من دوائر القرار، بدل اعتماد منطق الكفاءة وتكافؤ الفرص.
ما يطفو اليوم داخل مجلس الرباط يتجاوز خلافاً عابراً داخل الأغلبية، ليطرح سؤالاً أعمق حول حدود الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فإما أن يتم فتح هذا الملف بشفافية، عبر نشر لوائح المستفيدين، والكلفة، والتقارير المنجزة، وربط السفريات بأثرها الحقيقي، أو أن يتحول إلى عنوان جديد لفقدان الثقة في طريقة تدبير شؤون العاصمة، في وقت يُفترض فيه أن تكون الرباط نموذجاً في حسن استعمال المال العام.
