في لحظة سياسية لا تخلو من دلالات، وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، خرج وزير الإدماج الاقتصادي والتشغيل والمقاولة الصغرى، يونس السكوري، ليعلن أن الحكومة “عازمة” على معالجة اختلالات عميقة في مدونة الشغل، وعلى رأسها ساعات العمل والأجور والجزاءات.
كلام ثقيل من حيث المضمون، لكنه يطرح إشكالاً حقيقياً من حيث التوقيت، خاصة وأنه يأتي مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، بعد سنوات من الصمت والتدبير بالحد الأدنى في ملف يُفترض أنه في صميم العدالة الاجتماعية.
هذه الاختلالات لم تُكتشف اليوم، ولم تظهر فجأة مع اقتراب فاتح ماي أو اشتداد الضغط النقابي، بل جرى التذكير بها من داخل المؤسسة التشريعية نفسها، التي ظلت لسنوات شاهدة على تعثر الإصلاح دون أن ينعكس ذلك في تشريعات حاسمة.
إنها واقع يومي يعيشه ملايين الأجراء منذ أكثر من عشرين سنة، في قطاعات معروفة: الحراسة الخاصة، النظافة، الفلاحة، الصناعة التقليدية، والمقاولة الصغرى.
ورغم ذلك، مرت سنوات الولاية الحالية دون أن تتحول مدونة الشغل إلى أولوية تشريعية مستعجلة، بل ظلت مؤجلة باسم “الحوار الاجتماعي” و“التوافق” و“تعقيد الملف”.
وحين يعترف الوزير، من داخل قبة البرلمان، بأن الغرامات القانونية لا تتجاوز 500 درهم عن كل عامل، وبسقف 20 ألف درهم عن المقاولة، فنحن لا نكون أمام خلل تقني أو نقص في الموارد، بل أمام اختيار سياسي سابق جعل خرق القانون أقل كلفة من احترامه.
بهذه المنظومة الزجرية الهزيلة، تحولت مدونة الشغل إلى نص بلا أنياب، وتُركت مفتشية الشغل تشتغل داخل هامش قانوني ضيق، مهما راكمت من تقارير ومعطيات وإحصائيات.
الأكثر إشكالاً في الخطاب الحكومي الحالي ليس فقط الاعتراف المتأخر بحجم الأزمة تحت قبة البرلمان، بل ربط الإصلاح بمنطق نهاية الولاية. حقوق الأجراء لا تُدار بمنطق الأجندة السياسية، ولا تُؤجَّل إلى ما قبل إغلاق الولاية بأشهر.
العامل الذي يشتغل 12 ساعة في اليوم لا ينتظر إعلان نوايا داخل جلسة عمومية، ولا يهمه كثيراً إن كان الإصلاح سيُسجَّل كمكسب مستقبلي في محاضر البرلمان، بقدر ما يعنيه إن كان سينعكس على واقعه الآن.
الحديث عن “إصلاح جذري” و“منظومة جديدة” يبقى بلا أثر حقيقي ما لم يُرفق بسؤال جوهري: لماذا تأخر هذا الإصلاح كل هذا الزمن؟ ومن تحمّل مسؤولية تعطيله داخل الحكومات المتعاقبة والبرلمان معاً؟ ومن استفاد من بقاء مدونة الشغل ضعيفة الردع؟ فالإصلاح لا يبدأ من النصوص وحدها، بل من الاعتراف السياسي الصريح بأن سنوات من التدبير التشريعي اختارت السلامة مع أرباب العمل على حساب توازن العلاقة الشغلية.
وإلى أن يتم الانتقال، داخل البرلمان وخارجه، من خطاب “سنراجع” إلى مساءلة “لماذا لم نراجع بعد”، سيظل هذا النوع من التصريحات أقرب إلى خطاب نهاية الولاية منه إلى ورش إصلاحي مكتمل الشروط، وستبقى مدونة الشغل عنواناً لأزمة مؤجلة أكثر مما هي أفقاً لعدالة اجتماعية منتظرة.
