كشفت مصادر إعلامية عن معطيات مقلقة تفيد بتسجيل اختلالات صامتة في واحدة من أكثر العمليات حساسية في تدبير الشأن الترابي، تتعلق بغياب بعض رجال السلطة المحلية عن لجان إحصاء الأراضي الحضرية غير المبنية بعدد من الجماعات الترابية بضواحي مدينة الدار البيضاء.
وحسب المصادر ذاتها، فإن تقارير تفتيش مركزية وقفت على تخلف باشاوات وقواد عن المشاركة الفعلية في هذه اللجان، رغم أن العملية مؤطرة بنصوص قانونية واضحة، وتُعدّ من الركائز الأساسية لضمان شفافية الجبايات المحلية وحماية مداخيل الجماعات الترابية.
ولا يمكن اعتبار هذا الغياب مجرد خلل إداري عابر، لأن إحصاء الأراضي العارية ليس إجراءً شكليًا أو مكتبيًا، بل عملية ميدانية دقيقة، تقوم على المعاينة المباشرة، ومقارنة وضعية العقار على أرض الواقع بالصور الجوية ومعطيات تصميم التهيئة، لتحديد مدى خضوعه للرسم من عدمه.
وفي هذا السياق، يشكّل حضور رجل السلطة عنصرًا محوريًا، ليس فقط من زاوية التمثيل الإداري، بل لضمان النزاهة وتفادي أي تأويل انتقائي لطبيعة استغلال العقارات.
الأخطر في هذه الوقائع ليس فقط ما تم رصده، بل ما قد يترتب عنه من آثار غير مرئية. فحين تغيب السلطة عن الميدان، يُفتح الباب أمام أسئلة محرجة: هل نحن أمام إهمال إداري؟ أم تساهل غير مبرر؟ أم اختيار مريح لسياسة “غضّ الطرف”؟ وتزداد هذه الأسئلة حدة، بحسب المصادر نفسها، مع التأكيد على أن هذا الغياب سُجّل رغم توجيهات صريحة صدرت عن عامل الإقليم، شدّد خلالها على ضرورة الانخراط الفعلي لرجال السلطة ضمن لجان الإحصاء، تفاديًا لأي اختلالات قد تمس بمبدأ المساواة بين الملزمين.
إن أي اختلال في هذه العملية لا ينعكس فقط على مداخيل الجماعات الترابية، بل يمسّ جوهر العدالة الجبائية. فكل قطعة أرض تُصنَّف خارج الرسم دون سند دقيق، تعني خسارة مالية مباشرة، وتحميلًا غير عادل لباقي الملزمين، وتقويضًا للثقة في المنظومة الجبائية المحلية.
اليوم، تُطرح المسؤولية بوضوح على طاولة وزارة الداخلية: إما أن تتحول تقارير التفتيش إلى مدخل حقيقي للمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإما أن تبقى مجرد وثائق سوداء تُركن في الأدراج، بينما يستمر النزيف في صمت.
لأن أخطر الاختلالات… تلك التي تُرتكب بهدوء، تحت سقف القانون، وفي غياب من وُجدوا أساسًا لضمان احترامه.
