The Logic of Rotation in Senior Positions: Deferred Competence and Responsibility Without Impact
لم يعد ما يُسمّى بالتداول الإداري في بعض القطاعات الحكومية قابلًا للتسويق باعتباره إصلاحًا أو تحديثًا في أساليب التدبير.
ما يجري اليوم داخل وزارة التجهيز والماء يُقرأ، بشكل متزايد، كإعادة إنتاج لمنطق قديم بواجهة جديدة: حركة دائمة في المناصب، بلا استقرار، بلا تقييم معلن، وبلا أثر قابل للقياس.
تداول في الشكل… وجمود في الجوهر.
اللافت ليس فقط تسارع التعيينات، بل طابعها المغلق.
دائرة أسماء تتحرك داخل المساحة نفسها، تنتقل من موقع إلى آخر في فترات زمنية قصيرة، وكأن الإدارة أُفرغت من منطق المسار المهني لتحل محله هندسة دقيقة للمواقع.
في هذا السياق، لا تعود الكفاءة سؤالًا مركزيًا، بل تفصيلًا ثانويًا يُستدعى عند الحاجة الخطابية، ويُهمَّش عند لحظة القرار.
في قطاع حيوي كالماء، لا يكون هذا النمط مجرد اختلال إداري عابر، بل مخاطرة استراتيجية حقيقية. فالأمن المائي لا يُدار بمنطق التدوير السريع، ولا بمنهج “التجريب عبر المواقع”.
هو ورش طويل النفس، يحتاج إلى مسؤولين يستقرون، يخطئون، يُصححون، ثم يُحاسَبون على الأثر.
أما حين تتحول المسؤولية إلى محطة عابرة، تصبح المحاسبة شبه مستحيلة، ويغدو القرار التقني هشًا، فيما تتآكل الذاكرة المؤسساتية بصمت.
الأخطر أن هذا التدبير يُنتج أثرًا داخليًا غير معلن لكنه عميق.
داخل الإدارة، يتراجع الإحساس بالإنصاف الوظيفي، وتتآكل الثقة في منطق الاستحقاق، ويترسخ شعور بأن الاستقرار المهني لم يعد نتيجة للخبرة أو الأداء، بل رهينًا بقابلية الفرد للدوران داخل الخريطة نفسها. هكذا، تُدفع الكفاءات إلى الصمت، وتُكافَأ المرونة السياسية بدل الجرأة التقنية.
وحين يُبرَّر هذا الإيقاع المتسارع بخطاب “الاستفادة من الخبرات” أو “إعادة الانتشار”، دون أي كشف لمعايير التقييم أو مؤشرات الأداء، يتحول التبرير إلى ستار لغوي أكثر منه منطق حكامة.
فالدولة التي لا تشرح كيف تختار، ولا لماذا تُبدّل، ولا على أي أساس تُقيّم، تُفرغ خطاب الكفاءة من مضمونه، وتحوله إلى شعار معلّق بلا وظيفة سوى التجميل.
المسألة هنا لا تتعلق بأشخاص، ولا بتأويل النوايا، بل بمنهج تدبير يضع السياسة في تماس مباشر مع القرار الإداري، دون حواجز مؤسساتية واضحة.
وحين يغيب هذا الفصل، تتحول الإدارة من رافعة للسياسات العمومية إلى امتداد للتوازنات الظرفية.
في تلك اللحظة، لا يعود السؤال: من عُيّن؟ بل: ماذا ضاع مع كل تعيين؟ وأي مشروع تآكل مع كل حركة؟
حين تُدار وزارة استراتيجية بلا ذاكرة مستقرة، وبلا زمن كافٍ للمحاسبة، وبلا وضوح في المعايير، فإن الخلل لا يكون تقنيًا فقط، بل بنيويًا.
وهنا يصبح الخطر مضاعفًا: دولة تُعلن الكفاءة… وتمارس التدوير، وتعد بالنجاعة… وتراكم الارتباك. وبين الإعلان والممارسة، يُدفع الثمن من رصيد الثقة، ومن قدرة الإدارة على أن تكون فعلًا في خدمة الصالح العام، لا في خدمة خرائط غير معلنة.
