Between Conflicts of Interest and the Numbers Ledger: Cracks in the “Social State” as Seen by Akhannouch
قدّم عزيز أخنوش، اليوم السبت، خلال أشغال الدورة العادية للمجلس الوطني لـ حزب التجمع الوطني للأحرار، المنعقدة بمدينة الرباط، تقريرًا سياسيًا غنيًا بالأرقام والمؤشرات، سعى من خلاله إلى تثبيت سردية حكومية متكاملة حول التنمية والكرامة والدولة الاجتماعية والتحول البنيوي الشامل.
تقرير بدا، من حيث الشكل، منسجمًا في بنائه، متماسكًا في لغته، ومشحونًا برسائل سياسية موجهة بوضوح إلى أفق الاستحقاقات التشريعية المقبلة، حيث تصبح الحصيلة عنوان المرحلة، ويُعاد ترتيب الخطاب على أساس ما أُنجز لا ما يُنتظر.
غير أن القراءة التحليلية لهذا الخطاب تفرض التمييز بين قوة العرض وقوة الإقناع، وبين وفرة الأرقام وقدرتها الفعلية على تفسير التحولات التي يعيشها المجتمع.
فقد اعتمد التقرير كثافة رقمية لافتة، شملت حجم الاستثمارات العمومية، ونسب النمو المتوقعة، وتراجع التضخم، وارتفاع الموارد الجبائية، وتوسيع ميزانيات الصحة والتعليم.
غير أن الإشكال لا يكمن في المعطيات في حد ذاتها، بقدر ما يكمن في المنهج الذي يُقدَّم فيه الرقم باعتباره دليلًا كافيًا على النجاح.
فالخطاب لم ينتقل من مستوى ما صُرف إلى مستوى ما تغيّر، ولم يربط المؤشرات الماكرو-اقتصادية بتحولات ملموسة في معيش المواطنين، خصوصًا في ما يتعلق بالقدرة الشرائية، وجودة الخدمات العمومية، والفوارق المجالية.
وهو ما يطرح سؤال الأثر، لا سؤال الجهد، ويجعل الأرقام أقرب إلى أدوات تبرير سياسي منها إلى عناصر تقييم موضوعي.
وفي ما يخص التضخم، اعتبر رئيس الحكومة أن تراجعه إلى أقل من واحد في المائة يعكس نجاعة التدخل الحكومي.
غير أن هذا المعطى، وإن كان صحيحًا من زاوية إحصائية، يظل قاصرًا عن تفسير الإحساس العام باستمرار الغلاء، ذلك أن التضخم يقيس وتيرة الارتفاع لا مستوى الأسعار، وهو فارق جوهري لم يتوقف عنده الخطاب، ما يجعل القراءة الاجتماعية للمعطى ناقصة، ويُبقي الفجوة قائمة بين المؤشر الرسمي والتجربة اليومية للأسر.
أما الحديث عن بلوغ الاستثمارات العمومية سقف 380 مليار درهم، فقد قُدِّم باعتباره ترجمة لإرادة سياسية ثابتة، دون أن يواكبه نقاش كافٍ حول الجهات والفئات التي استفادت فعليًا من هذه الاستثمارات، ولا حول طبيعة المشاريع التي حظيت بالأولوية.
ويظل السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت هذه الاعتمادات قد انعكست بشكل متوازن على النسيج الاقتصادي الوطني، لا سيما المقاولات الصغرى والمتوسطة، والعالم القروي، والمناطق الهشة، أم أنها تمركزت، بحكم منطق السوق أو آليات التنفيذ، في قطاعات محددة ودوائر اقتصادية قادرة أصلًا على الولوج إلى الطلب العمومي.
وفي مقابل هذه السردية الإيجابية، يثير مسار الولاية الحكومية الحالية جملة من النقاشات العمومية التي لم تجد لها صدى في التقرير السياسي، من بينها ما ارتبط بجدل تضارب المصالح، وعودة مفهوم “الفراقشية” إلى التداول في النقاش العام، في إشارة إلى استفادة فاعلين اقتصاديين بعينهم من الدعم العمومي أو من دينامية الصفقات والاستثمارات، دون وضوح كافٍ في معايير الاستهداف أو في آليات التتبع والتقييم.
كما رافقت هذه المرحلة موجة واسعة من التعيينات في المناصب العليا، جرى تقديمها في إطار احترام المساطر القانونية، غير أنها أثارت نقاشًا حول منطق الاختيار وحدود التوازن بين الكفاءة والاستقلالية والانتماءات الحزبية أو الشبكات التقنية، خاصة في قطاعات استراتيجية يُفترض فيها الاستقرار والنجاعة.
وعلى المستوى الاجتماعي، ركّز التقرير على تعميم التغطية الصحية، وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر، ورفع ميزانيات الصحة والتعليم، وهي أوراش ذات حمولة اجتماعية واضحة.
غير أن النقاش لم يتطرق بما يكفي إلى استدامة هذا النموذج، ولا إلى كلفته المالية على المدى المتوسط، ولا إلى قدرة المالية العمومية على تحمّله في سياق دولي متقلب، كما غاب النقاش حول جودة الخدمات مقابل التركيز على عدد المستفيدين.
في المجمل، يظل التقرير خطابًا سياسيًا منسجمًا مع مرجعية الأغلبية الحكومية، لكنه خطاب أحادي الصوت، لا يفسح مجالًا كافيًا للأسئلة المقلقة، ولا يعترف بما لم يتحقق بعد، ما يجعله أقرب إلى تمرين في تسويق الحصيلة منه إلى تقييم ذاتي مفتوح، في لحظة سياسية يُفترض فيها أن تكون المساءلة في صلب النقاش العمومي.
خلاصة القول، إن ما قُدِّم اليوم السبت بالرباط أمام “برلمان الحمامة” هو سردية حكومية متماسكة قائمة على الأرقام والطموحات، لكنها تظل في حاجة إلى استكمالها بنقاش عمومي أوسع يربط المؤشرات بالواقع، ويُجيب بوضوح عن سؤال الأثر ومن استفاد، ويضع قضايا الحكامة وتكافؤ الفرص وتدبير المصالح في صلب التقييم.
فالتنمية، كما قيل في الخطاب نفسه، لا تختزل في الأرقام، لكن الأرقام أيضًا لا تُغني عن طرح الأسئلة.
