بعد سبع عجاف، زفّت الحكومة المغربية عبر وزير التجهيز والماء، نزار بركة، بشرى “الخروج من عنق زجاجة الجفاف”.
أرقام تثلج الصدر تقنياً: قفزة في نسبة ملء السدود من 31% إلى 46% في ظرف شهر واحد، ومساحات شاسعة من الثلوج غطت مساحة قياسية تتجاوز 55 ألف كيلومتر مربع، ما يَعِدُ بمخزون مائي مستدام يغذي الفرشات المائية والوديان.
لكن، وخلف هذه النشوة الرقمية والتفاؤل الحكومي المسنود بلغة الأرقام الصماء، يبرز سؤال وجودي يطرحه المواطن البسيط في الأسواق الشعبية قبل البرلمان: “إذا كانت السماء قد جادت بكرِمها، فمتى سيجود السوق برفقِه؟”.
اختبار “الشماعة” المريحة
لسنوات طويلة، استوطن “الجفاف” في الخطاب الحكومي كمتهم أول ووحيد وراء كل أزماتنا الاقتصادية. كان “قدر الله” وحبس المطر هما البطل التراجيدي في كل التبريرات لتفسير تآكل القدرة الشرائية وارتفاع أسعار الخضر والمواد الأساسية. اليوم، سقطت الأمطار ومعها يسقط التبرير القديم.
هذا التحول الهيدرولوجي يضع الحكومة اليوم أمام “اختبار الحقيقة”: فإما أن تنعكس هذه الوفرة المائية انخفاضاً ملموساً في الأسعار يعيد للبيوت توازنها، وإما أن يثبت للعيان أن “الجفاف” لم يكن سوى ستار دخاني مريح لإخفاء اختلالات بنيوية أعمق في هيكلة السوق الوطنية، وضعفٍ فادح في آليات ضبط الأسعار والمضاربات.
مفارقة “الماء المصدر” ورهان التحلية.
الإشكال الحقيقي الذي يواجهه المغرب ليس في “كمية” الماء فقط، بل في “فلسفة” تدبير هذا المورد. فبينما يحتفل الرسميون بامتلاء السدود وربح “سنة إضافية من الماء الشروب”، تظل السياسة الفلاحية المغربية رهينة نموذج “التصدير المكثف” الذي يستنزف المياه لخدمة الأسواق الخارجية. نحن، عملياً، نصدّر مياهنا الجوفية والسطحية في شكل “طماطم” و”لافوكا” و”توتيات”، بينما يكتوي المستهلك المحلي بنيران الأسعار نتيجة ندرة العرض الداخلي أو ارتهانه للمضاربين الذين يتحكمون في رقاب السلع بين الضيعة والسوق.
علاوة على ذلك، أكد الوزير المضي قدماً في مشاريع تحلية مياه البحر. ورغم أن هذا التوجه استراتيجي وحتمي لمواجهة التغيرات المناخية، إلا أنه يطرح تساؤلاً حول “كلفة الإنتاج”.
فإذا كان الماء “المجاني” النازل من السماء لم يخفض الأسعار، فكيف سيكون الحال عندما يصبح الإنتاج الفلاحي معتمداً على مياه التحلية ذات الكلفة الطاقية المرتفعة؟ إنها معضلة اقتصادية تستوجب من الحكومة وضوحاً في الرؤية: لمن يذهب الماء؟ ومن يؤدي الثمن؟
فخ الأرقام وضجيج الوسطاء
إن ربح “سنة إضافية من الأمان المائي” هو إنجاز تقني لا ينكره إلا جاحد، لكنه لا يعني شيئاً لرب أسرة يرى أن ثمن “القفة” لا يزال يحلق بعيداً عن حدود دخله المتواضع. الماء عنصر إنتاج جوهري، ولكن في غياب ضبط سلاسل التوزيع ومحاربة جيوش “الوسطاء” الذين يمتصون الأرباح في الظلام، ستظل مياه السدود تروي عطش الأرقام الماكرو-اقتصادية وتنعش أرصدة كبار المصدرين، دون أن تبلل ريق الفئات الهشة التي تعيش “جفافاً” من نوع آخر؛ جفاف القوة الشرائية.
من “رحمة السماء” إلى “عدالة الأرض”
إن الخروج من الجفاف المناخي لا يعني بالضرورة الخروج من الجفاف الاجتماعي.
فالأزمة في المغرب ليست أزمة تساقطات فحسب، بل أزمة “عدالة توزيعية” في الموارد والنتائج.
التدبير الحكيم للمرحلة القادمة يتطلب شجاعة سياسية تتجاوز لغة “الاستبشار”:
فك الارتباط بين تقلبات المناخ وأسعار المعيشة عبر سياسات تخزين استراتيجية وضبط صارم لمسارات البيع.
إعادة النظر في النموذج الفلاحي: توجيه “بركة” الماء نحو الفلاحة المعيشية التي تضمن الأمن الغذائي للمغاربة أولاً، بدل استنزافها في منتجات كمالية للتصدير.
تفعيل المراقبة المؤسساتية: لكي لا تتحول “طفرة الماء” إلى مجرد ذريعة جديدة للمضاربين لزيادة هوامش ربحهم تحت غطاء “تحسن الطلب”.
إن امتلاء السدود هو “نصف حل” وهبته لنا الطبيعة، أما النصف الآخر فيكمن في قدرة الحكومة على نقل أثر هذه الأمطار من “الخزانات الكبرى” إلى “الجيوب الصغرى”. المواطن المغربي لم يعد يكتفي بالنظر إلى صور السدود وهي تفيض، بل ينتظر أن يلمس أثر رحمة السماء في ثمن خبزه وخضاره.
وبدون ذلك، سيبقى “الخروج من الجفاف” مجرد سراب رقمي في واقع اجتماعي لافح، وستبقى “البركة” مجرد اسم لوزير في حكومة تعجز عن نقل خيرات السماء إلى موائد البسطاء.
