The Psychology of Easy Spending: Why Does the Ministry of Finance Fail to Apply to Itself What It Imposes on Others?
يبدو أن هناك قاعدة غير مكتوبة في تدبير الشأن العام مفادها: “التقشف ضرورة وطنية حين يتعلق الأمر بجيوب المواطنين، وترف اختياري حين يتعلق بممرات الوزارات”.
هذه القاعدة الصامتة، أو ما يمكن وصفه بعقلية الإنفاق السهل، هي التي تفسر التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة.
ففي الوقت الذي تحشد فيه الحكومة أدواتها التواصلية لإقناع المواطن بضرورة “الصمود” أمام موجات التضخم، وتدعوه بلهجة لا تخلو من الصرامة إلى “ترشيد الاستهلاك” وتقبّل إجراءات إصلاحية موجعة، تخرج وزارة الاقتصاد والمالية بصفقة تتجاوز قيمتها 8.8 ملايين درهم لخدمات النظافة والصيانة، وكأن منطق الأزمة يتوقف عند أبواب الإدارة.
هذه المفارقة لا يمكن اختزالها في رقم مالي عابر، بل تعكس فجوة أخلاقية وإدراكية بين لغة الأرقام التي تُدار بها السياسات العمومية، والواقع المعيشي القاسي الذي تعيشه الفئات الهشة والمتوسطة.
إنها مفارقة تضع المواطن أمام خطابين متوازيين: خطاب التقشف حين يتعلق الأمر بمعيشه اليومي، وخطاب السلاسة حين يتعلق براحة المؤسسات.
ولا يمكن قراءة هذه الصفقة خارج السياق المالي العام، حيث سجل عجز الميزانية رقمًا ثقيلاً بلغ 71.6 مليار درهم.
في مثل هذا الظرف، لا يعود الإنفاق العمومي مجرد قرار تقني، بل يتحول إلى رسالة سياسية واضحة.
وأي درهم يُصرف خارج دائرة الأولويات الاجتماعية يصبح، قبل أن يكون عبئًا محاسباتيًا، استفزازًا مباشرًا للرأي العام.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: أي رسالة تبعثها الدولة حين تطالب المواطن بشد الحزام، بينما تُصرّ الإدارة على اعتبار تلميع المقرات وصيانة المكاتب أولوية قائمة بذاتها؟
الجدل القائم اليوم لا ينصبّ على قانونية الصفقة، فالأرجح أن المساطر الإدارية قد احترمت شكليًا.
الإشكال الحقيقي أعمق من ذلك، ويتعلق بثقافة التدبير وبمنظومة القيم التي تحكم القرار العمومي، حيث يُنظر إلى الإنفاق الداخلي باعتباره حقًا ثابتًا لا يخضع للمراجعة حتى في لحظات الأزمات.
ففي مثل هذه السياقات، تتحول المؤسسات الحكومية، وعلى رأسها وزارة المالية، إلى مرآة تعكس صدقية الدولة في خطابها التقشفي.
وكان من المنتظر أن تكون هذه الوزارة قدوة في البحث عن صيغ بديلة أقل كلفة، أو إشارات ملموسة على تقاسم كلفة الأزمة، بدل تكريس منطق الإنفاق المريح في قطاعات غير منتجة، بما يوحي بأن الأزمة تُدار بعقلية مرحلة سابقة.
وما يزيد من حدة الغضب، ليس فقط حجم الإنفاق، بل الصمت الرسمي الذي رافق الجدل، وهو صمت لا يمكن قراءته كحياد إداري، بل كخيار تواصلي يعكس علاقة مختلة بين السلطة والمواطن.
ففي غياب توضيح دقيق يشرح الضرورة الفعلية لهذه المصاريف، يُترك المجال مفتوحًا للتأويل، خاصة مع تداول معطيات عن مصاريف مرافقة من بينها خدمات الإطعام.
هذا الفراغ لا يفعل سوى تعميق أزمة الثقة، ويعزز الإحساس بأن كلفة الاختلالات المالية تُحمَّل دائمًا للطرف الأضعف، بينما تحافظ الإدارة على نمط اشتغالها دون تغيير يُذكر.
إن تدبير المال العام ليس معادلة حسابية فحسب، بل هو تعاقد أخلاقي بين الدولة والمجتمع.
وعندما يترسخ لدى المواطن شعور بأن التقشف مجرد خطاب موجّه إليه وحده، بينما لا ينعكس على سلوك المؤسسات، فإن الخطر لا يكون ماليًا فقط، بل اجتماعيًا أيضًا.
فصورة الدولة لا تُصان بصفقات تلميع المقرات، بل بقدرتها على أن تكون أول من يراجع إنفاقه، وأول من يلتزم بالمنطق الذي يفرضه على الآخرين.
