لم يكن ما شهده مجلس النواب المغربي مؤخراً مجرد توتر عابر بين أغلبية مهيمنة ومعارضة محدودة الأدوات، بل كشف عن اختلال عميق في الممارسة التشريعية، حيث جرى تفريغ روح الدستور عبر آليات تنظيمية دقيقة ومقصودة.
ما حدث لا يمكن اختزاله في خلاف إجرائي، بل يعكس توجهاً واضحاً في تدبير الزمن البرلماني، يجعل من جدول الأعمال أداة سياسية تُستخدم للتحكم في المبادرة التشريعية بدل تفعيلها كما نصّ عليها دستور 2011.
عندما استحضر إدريس السنتيسي، رئيس الفريق الحركي، الفصل 82 من الدستور، في بداية جلسة الأسئلة الشفوية، خلال نقطة نظام، لم يكن يقدّم درساً نظرياً في القانون الدستوري، بل كان يسلّط الضوء على فجوة صارخة بين النص والممارسة.
فالمقتضى الدستوري الذي يقرّ تخصيص “يوم واحد على الأقل” كل شهر لمناقشة مقترحات القوانين، تحوّل في الواقع إلى التزام شكلي، في ظل تراكم مئات المبادرات التشريعية دون برمجة فعلية، ما يجعل الدستور مرجعاً رمزياً أكثر منه أداة مُلزِمة داخل المسار التشريعي.
منطق “البرمجة بالتقسيط”، الذي اختزل مجهود الفرق البرلمانية في “مقترح واحد” لكل فريق داخل جلسة معزولة، لا يمكن قراءته إلا كآلية لتقليص الفعل التشريعي خارج دائرة الأغلبية.
فهذا الأسلوب لا يحدّ فقط من المبادرة، بل يعيد تعريف دور النائب، من مشرّع فاعل إلى عنصر ينتظر ما يُدرج له في أجندة لا يتحكم فيها.
هنا، لا يتعلق الأمر بسوء تنظيم أو ضغط برمجي، بل بإدارة انتقائية للحق التشريعي، تُعيد ترتيب ميزان القوة داخل المؤسسة التشريعية.
وفي السياق نفسه، جاء تدخل رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية، ليكشف بعداً موازياً من الإشكال، مرتبطاً بتعاطي الحكومة مع القضايا الطارئة. فإهمال الملفات المستعجلة، رغم إحالتها الرسمية، لا يسيء فقط إلى فعالية الأسئلة الشفوية كآلية رقابية، بل يضعف صورة البرلمان كمؤسسة يُفترض أن تواكب التحولات السريعة وتُخضع العمل الحكومي للمساءلة.
وحين تُترك القضايا “تبرد” إلى أن تفقد راهنيتها، يصبح الزمن وسيلة لتعطيل النقاش بدل تنظيمه، وأداة صامتة لإفراغ الرقابة من مضمونها.
أما تبرير هذا الوضع بالاستناد إلى “الإجماع داخل مكتب المجلس”، فيطرح إشكالاً دستورياً بالغ الحساسية.
فالتوافقات الداخلية، مهما كانت طبيعتها، لا يمكن أن تسمو على مقتضيات دستورية واضحة، ولا أن تتحول إلى غطاء لتقييد حق تشريعي مكفول. كما أن “العلم بالقرار” لا يعني القبول به، ولا يبرر إفراغ التعددية البرلمانية من مضمونها أو اختزالها في حضور رمزي.
ما يجري اليوم يتجاوز نقاشاً تقنياً حول عدد الجلسات أو ترتيب الأولويات، ليكشف مساراً مقلقاً في تطور الممارسة البرلمانية، حيث يجري تطبيع التحكم في الزمن التشريعي باعتباره أداة ضبط سياسي.
وفي هذا السياق، لا يعود البرلمان فضاءً لإنتاج السياسات العمومية بقدر ما يتحول إلى آلية إجرائية لتكييف الإيقاع الديمقراطي مع أولويات الأغلبية، بما يُضعف جوهر التعددية ويُفرغ الوظيفة التشريعية من بعدها التمثيلي.
الدساتير لا تفقد معناها بسبب نقص النصوص، بل حين تُفرغ من مضمونها عبر تراكم ممارسات إجرائية محسوبة، تجعل المبادرة التشريعية أثراً شكلياً، وتحوّل القاعة البرلمانية إلى فضاء يُسمع فيه صوت واحد، بينما يُسمح بالتعدد فقط في الحدود التي لا تُربك جدول الأعمال.
وبهذا المعنى، يصبح الخلل بنيوياً لا ظرفياً، وتتحول الأزمة من نقاش سياسي عابر إلى مسألة ثقة في قدرة المؤسسة التشريعية على أداء دورها الدستوري كاملاً، بعيداً عن منطق الهيمنة والتحكم.
