هل نحن أمام حكومة تدبر ميزانية دولة أم أمام اختلال في توزيع ثمارها؟ بين الأرقام التي تقدمها الحكومة والواقع الاجتماعي المتأزم، خرج رشيد حموني عن صمته البرلماني، منتقداً ما اعتبره استفادة غير متوازنة لفئات محدودة من آليات الدعم، مقابل تحمّل المواطن كلفة “مغرب السرعتين”.
خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب أمس الاثنين، لم يكن حموني يلقي مجرد تعقيب روتيني في مواجهة الحكومة، بل كان يمارس تفكيكاً سياسياً حاداً لخطاب الحصيلة الوردية الذي تحاول الأغلبية تسويقه.
فقد اختار، في تعقيبه على جواب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، أن يتجاوز منطق “الأرقام الجافة” ليتحدث بلغة قريبة من الواقع الاجتماعي، كاشفاً كيف تحولت ميزانية الدولة من أداة لخدمة المجتمع إلى آلية تقنية لتلميع المؤشرات الماكرو-اقتصادية، في وقت يرزح فيه المواطن تحت وطأة الغلاء وضيق ذات اليد.
ووضع حموني إصبعه على “عش الدبابير” حين استحضر مصطلح “الفراقشية” من الذاكرة الشعبية، مسقطاً إياه على فئات مستفيدة من ريع الدعم والصفقات وامتيازات الاستيراد، سواء في قطاع الأغنام أو الأدوية.
هذه التسمية، في نظره، ليست مجرد توصيف لغوي، بل تنبيه سياسي إلى أن جزءاً من المجهودات المالية للدولة لا ينعكس بشكل عادل على عموم المواطنين، بل يظل محصوراً في دوائر محدودة، في مشهد يقترب من منطق “وزيعة” غير متوازنة، بينما يُترك المواطن البسيط في مواجهة التضخم وارتفاع الأسعار.
وفي سياق تفكيك الخطاب الحكومي، أعاد حموني تقييم ما يُقدَّم كنجاح لقطاع السياحة، معتبراً أن الحكومة تنسب إلى نفسها مكاسب لم تكن نتيجة سياساتها المباشرة، إذ يعود جزء كبير من الانتعاش المسجل إلى الإشعاع الذي حققه المنتخب الوطني خلال مونديال قطر، أكثر مما يعود إلى إصلاحات هيكلية أو برامج عمومية مستدامة.
وهو طرح يحدّ من الادعاءات بالنجاعة السياسية، ويبرز محدودية تحويل الفرص الظرفية إلى مسارات تنموية دائمة.
كما استحضر الخطاب الملكي حول “مغرب السرعتين” باعتباره إطاراً تشخيصياً لواقع تتعايش فيه مؤشرات اقتصادية إيجابية مع أوضاع اجتماعية متأزمة.
فبينما تُدار السياسات العمومية بمنطق الجداول الحسابية والتوازنات الرقمية، يعيش جزء واسع من المغاربة في واقع لا يلمس فيه أثراً ملموساً للتنمية، ما يكشف أن الخلل لم يعد تقنياً في بنية الميزانية، بل بنيوياً في منطق العدالة وتوزيع الثروة.
وخلاصة هذا الموقف، كما عبر عنه حموني، هي تحذير سياسي من مخاطر اتساع الفجوة بين الخطاب والواقع.
فالميزانية التي لا ينعكس أثرها على معيش المواطن، وعلى جودة التعليم والصحة والخدمات الأساسية، تظل ميزانية منقوصة الشرعية الاجتماعية، مهما بدت أرقامها متماسكة على الورق.
وهو ما يكرس فجوة ثقة مقلقة، قد تحول “مغرب السرعتين” من تشخيص نقدي إلى واقع اجتماعي دائم إذا لم يُعاد ربط السياسات العمومية بمنطق الإنصاف.
