لم تكن مجرد “تأتأة” عابرة، أو زلة لسان يسقط فيها كبار الخطباء؛ بل كانت لحظة ارتباك رمزي بامتياز. أن يقف المسؤول الأول عن قطاع التربية والتكوين في المغرب، محمد سعد برادة، وهو يجد صعوبة في قراءة جملة مكتوبة بلغة الضاد داخل قبة البرلمان، فذلك لا يُختزل في تفصيل بروتوكولي عابر، بل يتحول إلى مؤشر دال على عمق المسافة بين المدرسة العمومية ومن يدبر شؤونها.
ومن المفارقات اللافتة أن الوزير الذي يُفترض فيه قيادة قطاع محاربة الأمية وتجويد التعلمات، وجد نفسه في لحظة امتحان رمزي مع اللغة التي يتعلم بها ملايين التلاميذ، داخل فضاء سيادي يُفترض أن تُوزن فيه الكلمات بميزان أدق.
مشهد حمل رسالة ضمنية مقلقة، لا تتعلق بالكفاءة الفردية بقدر ما تلامس سؤال التمثل الثقافي لمن يتولى مسؤولية التربية.
إن هذا المشهد يعيد إلى الواجهة النقاش حول حدود الاعتماد على نخب تقنية قادمة من عوالم التدبير المالي والمقاولاتي، لتسيير قطاعات ذات حمولة تاريخية وقيمية عميقة.
فالتعليم ليس ملفاً تقنياً صرفاً، بل مجالاً يحتاج، إلى جانب أدوات التدبير، شرعية ثقافية ورمزية تمنح المسؤول موقعه المعنوي أمام هيئة تعليمية تتقن اللغة وتعيش تفاصيلها اليومية.
كيف يمكن إقناع الشغيلة التعليمية بخيارات إصلاحية، في ظل صور تعمّق الإحساس بالمسافة بين القرار المركزي وواقع المدرسة؟ هنا لا يتعلق الأمر بزلة لغوية، بل بصورة رمزية سرعان ما تتحول، في زمن الشبكات الاجتماعية، إلى مادة للتأويل والتهكم، والتهكم هو أقصر الطرق إلى تآكل الهيبة المؤسساتية وتعميق فجوة الثقة.
وفي سياق تعليمي متوتر، يظل الصمت الرسمي محل قراءات متباينة بين من يراه تجنباً للتضخيم، ومن يعتبره تعبيراً عن ارتباك في إدارة الرموز.
ويبقى السؤال معلقاً: هل يمكن لإصلاح تربوي عميق أن ينجح دون تمثل رمزي قوي للغة وهوية المدرسة العمومية؟
ما حدث تحت قبة البرلمان لم يكن مجرد لحظة عابرة، بل تمريناً في الواقعية السياسية، ذكّر بأن قيادة التعليم ليست حقيبة إدارية تُدار بالأرقام فقط، بل أمانة رمزية تتطلب حضوراً لغوياً وثقافياً ينسجم مع روح الأمة ولسانها.
