صادق مجلس النواب، يوم الاثنين 26 يناير 2026، بالأغلبية، على مشروع القانون رقم 29.24 المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة، في خطوة قُدِّمت كتحول استراتيجي لإنهاء التشتت المؤسساتي وتجميع شتات ملف الطفولة الهشة تحت سقف حكامة موحدة.
غير أن هذا “الميلاد المؤسساتي” يطرح أسئلة تتجاوز لغة الاحتفاء الرسمي؛ فهل نحن أمام إصلاح بنيوي يمس جوهر الاختلالات، أم أمام إعادة ترتيب إداري لواقع مأزوم داخل مراكز الرعاية؟
إن إحداث هذه الوكالة بآليات استقلال مالي ومعنوي يظل، من الناحية العملية، إجراءً قاصراً ما لم يُصحب بضمانات لفك الارتباط العضوي بين “الإدارة المجرية” و”سلطة الرقابة”.
فالتحدي الجوهري يكمن في قدرة هذه الوكالة على ممارسة دور التفتيش الصارم على مؤسسات تابعة لها أصلاً، لتفادي الوقوع في فخ “الخصم والحكم”، وضمان ألا تتحول التقارير السنوية إلى مجرد أرقام باردة تحجب الواقع خلف جدران “المصلحة الإدارية”.
وفي ذات السياق، يطرح التنصيص على “النظام المحروس” مخاوف حقوقية مشروعة؛ إذ إن ضبابية معايير الإيداع ومدة الاستمرار فيه قد تحوله إلى “اعتقال إداري” مقنع يخرج عن رقابة القضاء الضامنة للحريات.
إن غياب “بروتوكول خروج” واضح، مبني على مؤشرات علمية ونفسية للانتقال إلى “النظام المنفتح”، يجعل من مصير الطفل رهيناً بالسلطة التقديرية للموظف، وهو ما يفرغ الفلسفة التأهيلية للقانون من محتواها، ويحول الحماية من “حق” إلى “منحة” تخضع للمزاجية والإمكانيات اللوجستية.
علاوة على ذلك، يظل القانون صامتاً تجاه “المورد البشري” الذي هو محرك الإصلاح الحقيقي؛ فإحداث وكالة دون إلزامية توفر حصيص تأطيري يربط عدد الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين بعدد الأطفال المودعين، هو قفزة في الفراغ.
إن الأزمة ليست أزمة “تسميات” بل أزمة “كفاءات”؛ وبدون مراجعة النظام الأساسي للمربين وضمان استقلاليتهم المهنية عن جبروت الإدارة، ستظل الوكالة مجرد “هيكل عظمي” يفتقر لروح الرعاية الحقيقية.
إن الرهان الحقيقي لمشروع القانون 29.24 لا يقاس بعدد المقرات المحدثة، بل بقدرته على كسر جدار الصمت المحيط بأسوار المراكز عبر “آليات تظلم مستقلة” تمنح الطفل صوتاً مسموعاً ومباشراً.
فبين منطق الإحداث ورهان الأثر، يبقى الاختبار الحاسم هو تحويل هذه الوكالة من “مديرية كبرى للموظفين” إلى “درع قانوني” يحمي كرامة الطفل ويقطع بصفة نهائية مع سنوات التعثر والارتجال.
